تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

أي الشكل الذي يجب أن تعرض فيه المشكلات النحوية لم تتغير منذ أبي الأسود الدؤلي. وقد انتظرت سيبويه الذي عرضها في أفق فكر ذلك الزمان والمكان؛ مستغلا انفتاح البصرة على الفكر العقلي.

تأسيس النحو على درب العلم الآمنة

يحسن اللاحقون الابتكارات ويكيفونها مع الوضعيات الجديدة؛ أي مع وضعيات الأزمنة الجديدة وحاجاتها الجديدة.

3

يتعلق الأمر بالأفق الفكري الذي عرض فيه سيبويه المشكلات النحوية؛ وهو بطبيعة الحال أفق جديد بحكم تغير الزمان؛ فقد انهارت دولة الأمويين، وهاجرت المناقشة العقلانية من الشام إلى العراق لا سيما البصرة. أثر جو البصرة العقلاني في سيبويه، وكان سببا في أن سيبويه استخدم العقل في البحث عن النظام في اللغة العربية؛ أي إنه أجبر اللغة على أن تتبع عقله، ولم يجبر عقله على أن يتبعها. وبقدر ما كان هذا محفزا بقدر ما كان إبداعا فكريا في كتابه الفريد من نوعه؛ بحيث إن نموذجا علميا نشأ معتمدا على توجهه العقلي.

في ضوء مبدأ أن اللغة قابلة لأن تعرف؛ أي إن اللغة تتيح للعقل الإنساني أن يفهمها، وفي ضوء العقل فإن اللغة لم تعد قابلة لأن تعرف بإصلاح خطئها؛ إنما تعرف بالعلاقة بين الكلمات التي يتركب منها الكلام. ومن غير أن يحلل الكلام؛ فلن يستطيع أحد أن يدرك العلاقة.

هنا أمران جديران بأن نأخذهما بعين الاعتبار، وهما: الحصول على الكلام عن طريق السماع عن العرب، وتشغيل العقل للعثور على قوانين للكلام. تحدث هذه على مستويين؛ المستوى الأول: هو ملاحظة النحوي الكلام كما يلاحظ العالم الطبيعة. والمستوى الثاني: هو ما يترتب على الملاحظة من التحليل والترتيب والتصنيف. هناك إنصات إلى الكلام في المستوى الأول مثلما ينصت عالم الطبيعة إلى الطبيعة، وهناك استجواب للكلام في المستوى الثاني مثلما يستجوب عالم الطبيعة. بسبب هذه العملية نشأ الطريق الآمن لعلم النحو العربي الذي أسسه سيبويه.

ما يملكه العقل هو أن يسعى إلى تحقيق نسق المعرفة.

4

والفكرة وراء العقلانية هي أن استعمال العقل يؤدي إلى معرفة تختلف نوعيا عن أي معرفة لم يستخدم فيها. وكتاب سيبويه استخدم العقل في البحث عن النظام في اللغة العربية. لم ينشغل بما نقله العرب إلا في حدود الاستعمال الفرضي للعقل؛ أي من معرفة الجزئي إلى معرفة الكلي؛ لكي يعرف هل يقع الجزئي ضمن الكلي. بهذا أجرى سيبويه تحولا جذريا أثار إعجاب العلماء القدامى والمحدثين. سأكتفي بما قاله صاعد الأندلسي. قال: «لا أعرف كتابا ألف في علم من العلوم قديمها وحديثها اشتمل على جميع ذلك العلم، وأحاط بأجزاء ذلك الفن غير ثلاثة كتب: أحدها المجسطي لبطليموس في علم هيئة الفلك، والثاني كتاب أرسطو طاليس في علم المنطق، والثالث كتاب سيبويه البصري النحوي؛ فإن كل واحد من هذه لم يشذ عنه من أصول فنه شيء إلا ما لا خطر له.»

5

يهم موضوعي من عبارة الأندلسي الكتابان المجسطي لبطليموس، وعلم المنطق لأرسطو؛ فمنذ كتاب علم المنطق سلك المنطق دروب العلم الآمنة ولم يحد عنها، وما عد تحسينا في علم المنطق بحذف بعض جزئياته أو بتعيين مضمونه تعيينا أوضح؛ إنما يعود إلى التنميق أكثر مما يعود إلى وثوق العلم، فعلم المنطق من ذلك الوقت لم يتقدم خطوة لإحكامه وكماله.

6

يمكننا أن نقول هذا كتاب سيبويه، فقد سلك بالنحو دروب العلم الآمنة، وما عد تحسينا في علم النحو إنما هو نوع من التنميق. أبعد من هذا أستطيع أن أرى النحو العربي منذ كتاب سيبويه من المنظور الذي وضع فيه توماس كون كتاب المجسطي لبطليموس، فقد جعل من نظرية بطليموس نموذجا إرشاديا، وأيا كان عجز هذه المقارنة؛ فإنها تنصب هنا على النجاح والإعجاب والكفاءة.

لقد شعر النحاة القدامى بعظمة إنجاز سيبويه. سأكتفي هنا بما قاله علمان بارزان هما السيرافي والمازني. قال الأول: «لم يسبقه إلى مثله أحد قبله.»

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافية · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافيةص ٢٤