تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

41

لكي أوضح الفكرة سأفترض أننا دؤليون. يشير هذا الافتراض إلى أننا نفكر في فساد اللغة، ثم في أن نفكر فيما يمكن أن نفعله. إذن هناك مشكلة. والخطوة التالية هي أن نفحص ونصنف الأخطاء وهي كما نعرف من الحكايات التي وصلت إلينا أخطاء صوتية وصرفية وتركيبية. لقد اتخذ المفهوم عندنا أبعادا مختلفة؛ بعدا يتعلق بالأصوات، وبعدا ببنية الكلمة، وبعدا ببنية الجملة.

في مقابل أننا دؤليون سأفترض أن هناك سيبويهيين. أن يكون هؤلاء سيبويهيين يعني أن يفكروا في النظام اللغوي، لكن من ناحية وصف أصواته وكلماته وتركيبه، لا من أجل إصلاح الخطأ في النطق بأواخر الكلمات؛ إنما من أجل معنى المتكلم والقوانين التي تحكمه. نحن الآن في وضع متأخر زمنيا؛ لكي ندرك الفرق بين أن نكون دؤليين أو سيبويهيين، لكن العلماء آنذاك لم يكونوا يدركون إلا ما يجمع بينهما؛ أي إصلاح النطق بالعربية، رغم أنهم يعرفون اختلاف نحو هذا عن نحو ذاك بدليل التسمية «علم العربية» لأبي الأسود الدؤلي و«النحو» لسيبويه.

يمكننا أن نلخص ما بدا للقارئ تحليلا طويلا ومملا على النحو التالي: توفر لنشأة النحو المفترضة على يد أبي الأسود الدؤلي مجموعة من العوامل كاعتقادات أبي الأسود الدؤلي العامة، والحتمية القائمة بينها وبين الجو الفكري للمرحلة التاريخية. وتظافر هذه العوامل معا يشير إلى فكرة الخطأ اللغوي وصوابه. يعني الصواب اللغوي ما يساير عرف الجماعة اللغوي، والخطأ هو ما يخالف ذلك العرف. ولا يجب أن نحاكم نحو تلك الفكرة على ما نعرف الآن؛ ذلك أن مستوى الصواب كالصوغ القياسي فيما يذهب تمام حسان لا يمكن النظر إليه باعتباره فكرة يستعين الباحث بواسطتها في تحديد الصواب والخطأ اللغويين، وإنما هو مقياس اجتماعي يفرضه المجتمع اللغوي على الأفراد، ويرجع الأفراد إليه عند الاحتكام إلى الاستعمال. وإن المستوى الصوابي لا يوجد في اللغة فحسب، إنما يوجد في كل شئون الثقافة بالمعنى الأعم.

الفصل الثالث

| النحو في حدود العقل

سأذكر بفكرة سوزان لانغر عن الأفكار التي تفرض نفسها على المرحلة تاريخية لتحل عددا من المشاكل. وقد رأينا أن فكرة صيانة اللسان العربي من اللحن هي الفكرة التي فرضت نفسها في مرحلة أبي الأسود التاريخية، وقد حلت مشكلة على قدر كبير من الأهمية للدين وللثقافة وللعرق. تكمل سوزان لانغر بأن الأفكار التي تفرض نفسها تصبح مع الزمن أفكارا مألوفة، وجزءا من المفاهيم النظرية للجيل التالي، وبهذا تنتهي فورة الفكرة. صحيح أن هناك من يتعصب لها ويراها تحل كل المشاكل، لكن الأقل تعصبا سيرى المشاكل التي ولدتها تلك الفكرة.

تبدو فائدة هذا لموضوعنا أن فكرة صيانة اللسان العربي من اللحن أصبحت مع الزمن فكرة مألوفة، وجزءا من مفاهيم النحويين النظرية. صحيح أن هناك من تعصب للفكرة وتمسك بها (أحفاد هؤلاء ما زالوا موجودين إلى الآن)، لكن في مقابل هؤلاء هناك من هم أقل تعصبا كالخليل بن أحمد الفراهيدي الذي أكمل ما بدأه أبو الأسود الدؤلي من شكل أواخر كلمات القرآن الكريم، فرسم شكل العلامات المعروفة لنا الآن كالضمة والفتحة والكسرة. يتزامن هذا مع تنقيط نصر بن عاصم كلمات القرآن الكريم. ما الذي يعنيه هذا؟ يعني أن جو النحو الفكري بدأ يتخفف من الشرطين التاريخي والأيديولوجي؛ حين كانت الوظيفة العملية والمجتمعية عند أبي الأسود ومعاصريه من النحاة تتفوق من حيث الأهمية على الوظيفة المعرفية (الوظيفة النظرية).

1

ترتب على هذا الفرق بين النظرية وبين الممارسة أن كل ما قيل قبل سيبويه عن تعليل النحو، وتسبيب علله إنما كان من أجل قراءة القرآن والشعر؛ أي الممارسة، وليس من أجل النظرية. والحكايات المعروفة التي نقلتها إلينا المصادر عن عبد الله بن أبي إسحاق، وتتبعه اللحن في شعر الفرزدق تشير إلى الممارسة وليس إلى النظرية؛ أي قراءة الشعر. وبالرغم من كل ما قيل عن غزارة علم النحاة واللغويين قبل سيبويه بما فيهم أستاذه الخليل إلا أن الإشكالية؛

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافية · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافيةص ٢٣