تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما يشير إلى اعتقاد أبي الأسود الدؤلي بكفايته العامة: الحكاية التي تحكى أنه قدم على الخليفة عبد الملك بن مروان، وقد كان أبو الأسود دميما، أعور، وقبيح المنظر. فقال له: «يا أبا الأسود، لو علقت عليك عوذة من العين! فقال: إن لك جوابا يا أمير المؤمنين ... أما والله لئن ابتلتني السنون، وأسرعت إلي المنون، لما أثبت ذلك إلا في موضعه، ولرب يوم كنت فيه إلى الآنسات البيض أشهى منك إليهن ... فقال عبد الملك: قاتلك الله من شيخ، ما أعظم همتك!»

35

ما أعظم همتك! تشخيص عميق ومختصر. هذا هو ما جعل أبا الأسود الدؤلي ذا الاعتقاد الإيجابي بكفايته العامة إلى أن يرسم أهدافا مثيرة للتحدي، ويبذل جهدا أكبر لتحقيقها.

لا تنفصل اعتقادات المرء العامة عن النموذج أو القدوة. ويبدو لي أن هذا الارتباط بينهما هو ما يفسر علاقة أبي الأسود الدؤلي بعلي بن أبي طالب، فالأول نموذج ومثال حي وواقعي للثاني. وهناك حكايات لهذا الارتباط الذي عبرنا عنه بالقدوة. أكتفي منها بما يشير إلى أي حد بلغ فيها تمسك أبي الأسود بنموذجه وقدوته. فقد روي أن فخذا من أفخاذ العرب من العرب يدعى «بني قشير»، هواهم مع عثمان بن عفان. كان أبو الأسود نازلا بينهم، وقد كانوا يرمونه بالليل؛ لأنه يحب عليا ويمدحه، ومع ذلك لم يفت هذا من عضده؛ بل إنه حاججهم حينما قالوا: ما نحن نرميك، ولكن الله يرميك، فقال: كذبتم والله، لو كان الله يرميني لما أخطأني.

36

إن المدهش في علاقة أبي الأسود بعلي أن المهتمين بقضية في جو فكري واحد قد يصلون إلى الأفكار ذاتها.

الطيف العقلي لمفهوم النحو

ما اسم هذا المبحث الذي يتشكل؟ يخصص النديم في كتاب الفهرست فصلا قصيرا عنوانه: «سبب يدل على أن أول من وضع في النحو كلاما أبو الأسود الدؤلي.»

37

أول ما نلاحظ في العنوان أن ما وضعه أبو الأسود هو «كلام في النحو»؛ أي إن مضمون ما عثر عليه في أربعة أوراق كالفاعل والمفعول

38

هو كلام، وأن هذا الكلام ينتمي إلى النحو. هل هو نحو أو كلام؟ هناك ارتباك؛ لأن النديم وراق محترف ومتخصص في تصنيف الكتب يعرف أولا موضوعات الكتب من المفاهيم التي تنتمي إلى العلم، وذلك ما يبدو في العلوم الأخرى المستقرة، وسأشير هنا فقط إلى الكيمياء.

39

ما يبدو لي هو أن بلورة قضايا المبحث الجديد في مفاهيم ما زالت في مرحلة التشوش؛ أي إن مباحث النحو لم تتحدد إلا في مرحلة متأخرة. مثلا ما بدا للقدماء أن كتاب سيبويه كتاب في النحو فقط تصنيف قلق. والأقرب أن يكون كتابه في «علم العربية» وهو المفهوم البديل الذي استخدم بدلا من النحو. تبدو وجاهة هذا المفهوم فيما لو عرفنا أن سيبويه بحث في أصوات العربية (علم الأصوات) وفي بناء الكلمة (علم الصرف) وفي بناء الجملة (علم النحو). وقد ظل هذا المفهوم مستخدما عند المغاربة، بينما ظل مفهوم النحو مستخدما عند المشارقة.

40

والمفارقة هنا هي إذا ما نشأ النحو تحت مفهوم علم العربية، فإن أبا الأسود الدؤلي قد يكون مات قبل أن يعرف أنه نحوي.

يتفق هذا مع طبيعة المفاهيم التي لا تولد فجأة، إنما تتكون في عملية طويلة ومعقدة، وهذا ما أظنه ينطبق على النحو. ويبدو أنه نشأ كطيف عقلي مشوش وغير مكتمل، لكنه يمثل بعض العناصر الرئيسية كدراسة الأصوات اللغوية وبنيتي الكلمة والجملة ومباحث أخرى تتعلق بدقة إشارة الكلمات إلى المعنى، والمناسبات التي تقال فيها الحكم والأمثال العربية القديمة، وشرح الأبيات الشعرية ... إلخ؛ أي إن النحو اشتمل إبان نشأته على كافة المباحث اللغوية. وتبدو وجاهة هذا الطيف العقلي أن القائمين على «هذه المباحث اللغوية يعرفون بالنحاة، على أن ذلك لم تنفرد به اللغة العربية، بل كان هذا شأن النحو والنحاة بالنسبة للإغريقية واللاتينية.»

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافية · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافيةص ٢٢