ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله ونفسه. قالت: كلا يا أبت، إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا، قالت: فأخذت أحجارًا فوضعتها في كوة في البيت كان أبى يضع فيها ماله، ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: ضع يديك على هذا المال، قالت: ووضع يده عليه فقال: لا بأس، إذا كان ترك لكم هذا، فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم، قالت: ولا والله ما ترك لنا شيئًا ولكني أردت أن أسكن
الشيخ بذلك(1).
وبهذه الفطنة، والحكمة، سترت أسماء أباها، وسكنت قلب جدها الضرير، من غير أن تكذب، فإن أباها قد ترك لهم حقًا هذه الأحجار التي كومتها، لتطمئن لها نفس الشيخ! إلا أنه قد ترك لهم معها إيمانًا بالله لا تزلزله الجبال، ولا تحركه العواصف الهوج، ولا يتأثر بقلة أو كثرة في المال، وورثهم يقينًا، وثقة بلا حد لها، وغرس فيهم همة تتعلق بمعالي الأمور ولا تلتفت إلى سفاسفها (2)، فضرب بهم للبيت المسلم مثالاً عز أن يتكرر، وقلَّ أن يوجد نظيره، لقد ضربت أسماء رضي الله عنها بهذه المواقف لنساء وبنات المسلمين مثلاً هن في أمس الحاجة إلى الاقتداء به والنسج على منواله (3).
2- صلة أسماء لأمها المشركة: عن أسماء بنت أبى بكر رضي الله عنها قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ×، فاستفتيت رسول
(1) السيرة النبوية لابن هشام (2/ 102)، إسناده صحيح.
(2) السفساف: الردئ الحقير من كل شيء، والجمع: سفاسف.
(3) الهجرة النبوية المباركة ص128.