تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما سهرت مع والدي ليلا جعلت كلامي معه في هذا المأمور، فقلت له: هذا المأمور ليس من الأتراك لأنه أسود؟ فأجابني بأنه يمكن أن يكون عبدا عتيقا، فقلت: هل يكون العبد حاكما مع أن أكابر البلاد لا يكونون حكاما فضلا عن العبيد؟! فجعل هو يجيبني بأجوبة لا تقنعني، فكان يقول: لعل سبب ذلك مكارم أخلاقه ومعرفته؟ فأقول: وما معرفته؟ فيقول: لعله جاور بالأزهر وتعلم فيه، فأقول: هل التعلم في الأزهر يؤدي إلى أن يكون الإنسان حاكما؟! ومن خرج من الأزهر حاكما؟ فقال: يا ولدي كلنا عبيد الله، والله تعالى يرفع من يشاء! فأقول: «مسلم، لكن الأسباب لا بد منها ...» وجعل يعظني ويذكر لي حكايات وأشعارا لم أقنع بها، ثم أوصاني بملازمته وامتثال أوامره، وبعد يومين سافر عني وتركني عنده.

ثم حدثت لي فكرة أخرى مع الفكرة الأولى، فكنت أقول في نفسي إن الكتابة والوظيفة (الماهية) كانت هي السبب في سجني ووضع الحديد في رقبتي، وقد وجدت هذا المأمور خلصني من ذلك، فلو فعل المأمور معي مثل ما فعل الكاتب فمن يخلصني؟ واستمرت الفكرتان في بالي وصار همي للتخلص من كل ذلك وأمثاله، ووددت أن أكون بحالة لا ذل فيها ولا تخشى غوائلها، وفي أثناء ذلك اصطحبت بفراش له، فجعلت أفحص منه عن أخبار سيده وأسباب ترقيه، وكنت أسترق منه ذلك استراقا بحيث أخلل هذا الكلام بغيره، فأخبرني أن سيده مشترى ست من الستات الكبار مرعيات الخواطر، أدخلته سيدته مدرسة قصر العيني لما فتح العزيز المدارس وأدخل فيها الولدان، وأخبرني أنهم يتعلمون فيها الخط والحساب واللغة التركية وغير ذلك، وأن الحكام إنما يؤخذون من المدارس، فحينئذ حاك في صدري أن أدخل المدارس، وسألته هل يدخلها أحد من الفلاحين؟ فأفادني أنه يدخلها صاحب الواسطة، فشغل ذلك بالي زيادة، ومع ذلك فلم تفتر همتي، وسألته عن قصر العيني وعن طريقه وكيف الإقامة فيه، فأخبرني عن ذلك كله، وأثنى على حسن إقامتهم بها، ومأكولهم وملبوسهم وإكرامهم، فازددت شوقا، وكنت أكتب عندي كل ما يخبرني به من بيان الطريق وقدر المسافة، وأسماء البلاد التي في الطريق.

وقامت بنفسي فكرة التخلص والتوصل إلى المدارس، فطلبت الإذن في زيارة أهلي، فأذن لي بخمسة عشر يوما، فسافرت إلى أن وصلت في يوم السبت إلى بني عياض قرية في طريقي، فتقابلت مع جملة أطفال تحت قيادة رجل خياط، مع كل واحد دواة وأقلام، فجلست معهم تحت شجرة، وتحادثنا، فظهر لي أنهم تلامذة من مكتب منية العز، وكان ذلك فألا حسنا، ورأوا خطي فوجدوه أحسن من خطوطهم، فقال بعضهم لبعض: لو لحق هذا بالمكتب لكان جاويشا، فقال الخياط: ذلك قليل عليه؛ فإن خط الباشجاويش الذي عندنا لا يساوي هذا الخط، فسألتهم: ما الجاويش؟ وما الباشجاويش؟ فأفادوني أنهم المقدمون في المكتب، فجعلت أستفهم عن المكتب وصفته، وجعل الخياط يحسن لي أوصافه، ويغريني على دخوله، وأفهمني أن نجباء المكاتب ينتقلون إلى المدارس بلا واسطة، فرأيت ذلك غاية مرغوبي، فلم أتأخر عن الذهاب معهم، ودخلت المكتب فإذا ناظره من معارف والدي، فأراد أن يمنعني من الانتظام في عقد التلامذة، واجتهد في ذلك لمراضاة والدي، فلم أسمع كلامه، وبقيت في المكتب خمسة عشر يوما، وكان الناظر قد أرسل إلى والدي، فلما جاءه قص عليه خبري وأراه أني راغب جدا وأني قلت له: إن لم يكتبني في المكتب اشتكيته، ثم دبر معه حيلة على أخذي على حين غفلة مني ومن التلامذة، فانتظر خروجنا للفسحة والأكل في وقت الظهر، فاختطفني والدي إلى بلدتنا، وحبسني في البيت نحو عشرة أيام، كل ذلك ووالدتي تبكي مني وعلي وتستعطفني للرجوع عما يوجب فراقهم وتحلفني أن أرجع عن تلك النية، فوعدتها بالرجوع عن ذلك إرضاء لخاطرها، فأطلقوني، وكانت لنا غنيمات صرت أرعاها، وأبعدوني عن حرفة الكتابة التي ربما تكون سببا لفراقهم، فبقيت كذلك مدة حتى اطمأن خاطرهم، وظنوا أن فكرتي ذهبت عني مع أنها لا تفارقني، وإنما كنت أخفيها، إلى أن انتهزت فرصة في ليلة من الليالي، فصبرت إلى أن ناموا جميعا، وأخذت دواتي وأدواتي وخرجت من عندهم خائفا أترقب، وتوجهت تلقاء منية العز، وكان ذلك آخر عهدي بسكناي بين أبوي، وكانت ليلة مقمرة، فمشيت حتى أصبحت فدخلت منية العز ضحى، ولم يرني الناظر إلا وأنا مع الأطفال في داخل المكتب، والتزمت أن لا أخرج منه ليلا ولا نهارا مخافة اختطافي، ثم حضر والدي وعمل طرق التحيل علي هو والناظر فلم ينجع ذلك في، ورجع بلا حاجته، وجعل يتردد علي طمعا في أخذي من المكتب، حتى جاء ناظر مكتب الخانقاه عصمت أفندي لفرز نجباء التلامذة إلى قصر العيني، فكنت ممن اختير لذلك، فحضر والدي واشتكى لعصمت أفندي، فقال له: هذا ابنك أمامك وهو مخير، فخيروني فاخترت المدارس، فعند ذلك بكى والدي كثيرا وأغرى علي جماعة من المعلمين وغيرهم ليستميلوني فلم أصغ لهم، وكان ما قدر الله ولا راد لما قدره.

حياتي · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ٣