تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم عرض علي والدي أن يلحقني بصاحب له من كتبة المساحين، فرضيت بذلك، فلما عاشرته رغبت في عشرته لما كنت أكتسب من صحبته من النقود التي تنالني مما يأخذه من الأهالي، فأقمت عنده ثلاثة أشهر، ولكني لصغر سني وعدم معرفتي بما ينفع وما يضر، كنت أفشي سره وأخبر عما يأخذه من الناس، فطردني، فبقيت في بيتنا أقرأ على أبي، ويستصحبني في قبض الأموال الأميرية التي على العرب (وكان منوطا بذلك) فكنت أباشر الكتابة وبعض المحاسبات، ثم بعد نحو سنة جعلني مساعدا عند كاتب في مأمورية أبي كبير بماهية خمسين قرشا أبيض له الدفاتر، فأقمت عنده نحو ثلاثة أشهر، وقد خلقت ثيابي وساءت حالي ولم أقبض شيئا من الماهية إلا الأكل في بيته، ثم عينني يوما لقبض حاصل أبي كبير، فقبضته وأمسكت عندي منه قدر ماهيتي، وكتبت له علما بالواصل، ووضعته في كيس النقدية، فلما وقف على ذلك اغتاظ مني وأسرها في نفسه.

وكان مأمور أبي كبير يومئذ عبد العال أبا سالم من منية النمروط فأخبره بذلك، واتفق أن المأمورية مطلوب منها شخص في العسكرية، فأغراه بي واتفقا على إلحاقي بالجهادية لسداد هذه الطلبة، فنادوني على حين غفلة، وأمرني المأمور بالذهاب إلى السجن لكتب المسجونين، وأصحبني رجلا من أغوات المأمورية، فلما دخلت السجن أحضروا غلا من الحديد ووضعوه في رقبتي وتركت مسجونا، فداخلني ما لا مزيد عليه من الخوف، فلبثت في السجن بضعا وعشرين يوما في أوساخ المسجونين وقاذوراتهم، وصرت أنتحب، فرق لي السجان لصغر سني، فقربني إلى الباب، وواسيته بشيء من النقود التي كانت سبب سجني، وكنت أرسلت إلى والدي بحبسي، فذهب إلى العزيز وكان بناحية منية القمح وقدم له قصتي في عريضة، فكتب بإخلاء سبيلي، وأخذ والدي الأمر بيده، وقبل حضوره إلي أتى إلى السجان صاحب له من خدمة مأمور زراعة القطن بنواحي أبي كبير، وأخبره أن المأمور محتاج إلى كاتب يكون معه بماهية، وكان السجان يميل إلي فدله علي، ووصفني له بالنجابة وحسن الخط، وعرفه مسكنتي وما أنا فيه، فمال الخادم إلي، وطلب مني أن أكتب خطي في ورقة ليراها المأمور، فكتبت عريضة وأعتنيت فيها، وناولتها للخادم مع غازي ذهب قيمته عشرون قرشا ليمهد لي الطريق عند مخدومه، ووعدته بأكثر من ذلك أيضا، فأخذها، وبعد قليل حضر بأمر الإفراج عني، وأخذني معه حتى قربت من المأمور، وكان يسمى عنبر أفندي، فنظرت إليه فإذا هو أسود حبشي كأنه عبد مملوك، لكنه سمح جليل مهيب، ورأيت مشايخ البلاد والحكام وقوفا بين يديه وهو يلقي عليهم التنبيهات، فتأخرت حتى انصرفوا فدخلت عليه وقبلت يده، فكلمني بكلام رقيق عربي فصيح، وقال لي: تريد أن تكون معي كاتبا ولك عندي جراية كل يوم وخمسة وسبعون قرشا ماهية كل شهر؟، فقلت: نعم، ثم انصرفت من أمامه وجلست مع الخدامين ، وكنت أعرف من المشايخ الذين كانوا بين يديه جماعة من مشاهير البلاد أصحاب الثروة والخدم والحشم والعبيد، فاستغربت ما رأيته من وقوفهم بين يديه وامتثالهم أوامره، وكنت لم أر مثل ذلك قبل ولم أسمع به؛ بل أعتقد أن الحكام لا يكونون إلا من الأتراك على حسب ما جرت به العادة في تلك الأزمان، وبقيت متعجبا متحيرا في السبب الذي جعل السادة يقفون أمام العبيد ويقبلون أيديهم، وحرصت كل الحرص على الوقوف على هذا السبب، فكان ذلك من دواعي ملازمتي له، وفي ثاني يوم حضر والدي بأمر العزيز فسلمت عليه، وأدخلته على المأمور وعرفته إياه، فبش في وجهه وأجلسه وأكرمه، وكان والدي جميل الهيئة أبيض اللون فصيحا متأدبا، آثار الصلاح والتقوى ظاهرة عليه، فكلمه في شأني، فقال له: «إني قد اخترته ليكون معي وجعلت له مرتبا فإن أحببت فذاك» فشكر له والدي ورضي أن أكون معه، وذكر له أصولنا وأرومتنا، وانصرف من مجلسه مسرورا.

حياتي · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ٢