تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فدخلت مدرسة قصر العيني في سنة إحدى وخمسين ومائتين وألف وأنا يومئذ في سن المراهقة، وصرت في فرقة برعي أفندي، فوجدت المدارس على خلاف ما كنت أظن، بل بسبب تجدد أمرها كانت واجبات الوظائف مجهولة فيها، والتربية والتعليمات غير معتنى بها؛ إذ كان جل اعتنائهم بتعليم المشي العسكري، فكان ذلك في وقت الصبح والظهر وبعد الأكل وفي أماكن النوم، وكان جميع المشرفين على التلامذة يؤذونهم بالضرب وأنواع السب والإهانة من غير حساب ولا حرج، مع كثرة الأغراض والإعراض عن الاعتناء بشؤونهم مما يختص بالمأكولات وخلافها، وكانت مفروشاتهم حصر الحلفاء وأحرمة الصوف الغليظ من شغل بولاق، ومن كراهتي للطبيخ المرتب لنا جعلت إدامي الجبن والزيتون، وكان برعي أفندي يراعيني بالنسبة لغيري، وكان معي قليل من النقود جعلته أمانة تحت يده.

فلما رأيت هذه الحالة ضقت ذرعا وظننت أني جنيت على نفسي في دخول المدارس التي بهذه المثابة، ثم لتغير الهواء المعتاد وكثرة ما قام بي من الأفكار اعترتني الأمراض وطفح الجرب على جسمي، فأدخلوني المستشفى، فتراكمت علي الأمراض حتى أيسوا من حياتي، ولكن الله سلم، وفي أثناء ذلك حضر والدي وطلب أن يراني فلم يمكنوه من الدخول، فجعل لبعض الممرضين خمسين محبوبا من الذهب جعلا على أن يخرجني من الاسبتالية سرا ليخلصني مما أنا فيه، فلم أشعر إلا والممرض قد كسر شباك الحديد من المحل الذي أنا فيه، وأخبرني بمرغوب والدي وأنه واقف ينتظرني خارج المدرسة، وأراد أن ينزلني من الشباك ويوصلني إليه ليأخذ جعله، فمالت نفسي لإجابته والذهاب مع والدي وترك المدارس وأهلها لما رأيته من الشدائد وعدم التعليم، وما لحقني من الجوع في المستشفى حتى كنت أمص العظم الذي يلقيه الآكلون، لكن فكرت في عاقبة الهرب، فإنهم كانوا يطلبون من يهرب من التلامذة ويقبضون على أهله ويقيدونهم ويهينونهم، فامتنعت من الخروج معه، فاجتهد في التحيل علي وتسهيل الأمر لدي، فأبيت، وقلت: أصبر على قضاء الله وأنا الجاني على نفسي، وقلت له: بلغ والدي السلام وسله أن يدعو لي وأن يبلغ والدتي عني السلام، ثم إن والدي احتال حتى دخل عندي ورآني ورأيته، وقبلني وقبلته، وبكى وبكيت، ثم ودعني ومضى لسبيله، وله زفرات ولي عبرات، ولسان الحال يقول:

عسى الكرب الذي أمسيت فيه

يكون وراءه فرج قريب

ثم شفيت وخرجت إلى المدرسة، واشتغلت بدروسي ولم أمرض بعد ذلك.

وفي أواخر سنة اثنتين وخمسين نقلونا إلى مدرسة أبي زعبل عندما جعل قصر العيني لمدرسة الطب خاصة (كما هو الآن)، فكانت إدارة المدارس في أبي زعبل كما كانت في قصر العيني، إلا أنه اعتني بالتعليم شيئا بسبب جعل نظرها للمرحوم إبراهيم بك رأفت، وكان أثقل الفنون علي وأصعبها فن الهندسة والحساب والنحو، فكنت أراها كالطلاسم، وأرى كلام المعلمين فيها ككلام السحرة، وبقيت كذلك مدة إلى أن جمع المرحوم إبراهيم بك رأفت متأخري التلامذة في آخر السنة الثالثة من انتقالنا إلى مدرسة أبي زعبل وجعلهم فرقة مستقلة، فكنت أنا منهم، بل آخرهم، وجعل نفسه هو المعلم لهذه الفرقة، ففي أول درس ألقاه علينا أفصح عن الغرض المقصود من الهندسة بمعنى واضح وألفاظ وجيزة، وبين أهمية الحدود والتعريفات الموضوعة في أوائل الفنون، وأن هذه الحروف التي اصطلحوا عليها إنما تستعمل في أسماء الأشكال وأجزائها كاستعمال الأسماء للأشخاص، فكما أن للإنسان أن يختار لابنه ما شاء من الأسماء؛ كذلك المعبر عن الأشكال له أن يختار لها ما شاء من الحروف، فانفتح من حسن بيانه قفل قلبي ووعيت ما يقول، وكانت طريقته هي باب الفتوح علي، ولم أقم من أول درس إلا على فائدة، وهكذا جميع دروسه بخلاف غيره من المعلمين، فلم تكن لهم هذه الطريقة وكان التزامهم لحالة واحدة هو المانع لي من الفهم، فختمت عليه في أول سنة جميع الهندسة والحساب، وصرت أول فرقتي، وبقيت في النحو على الحالة الأولى لعدم تغير المعلم ولا طريقة التعليم السيئة، وكان رأفت بك يضرب بي المثل ويجعل نجابتي على يديه برهانا على سوء تعليم المعلمين، وأن سوء التعليم هو السبب في تأخر التلامذة.

حياتي · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ٤