وفي خلال تلك الأحوال كان قد تشكل بالقاهرة مجلس عرفي بأمر العرابي للنظر في المصالح، وكثيرا ما عقدوا مجالس للنظر في مسائل تعرض من طرف العرابي وحزبه، وفي آخر مرة عقد مجلس بديوان الداخلية بالقاهرة ندب إليه كثير من الأمراء والعلماء الروحانيين وأعيان البلد، وكنت قد حضرت من بلدي لقضاء بعض المصالح، فكنت ممن ندب إليه، فعينت سفيرا إلى الإسكندرية مع جماعة من الوطنيين، فلما وصلنا إلى الإسكندرية تكلمت في عمل طريقة لما يوجب خمود نيران هذه الفتنة، فأجاب الجناب الخديوي، وصارت المكالمة في هذا الشأن مع رؤساء الإنجليز، لكن لم ينجح ذلك لمزيد نفرة العسكرية، ولما خاف العرابي أن يتحول الإنجليز إلى جهة برزخ السويس، تحول بأكثر عسكره إلى التل الكبير بالشرقية، فتحصنوا هناك، ووقع بينهم وبين الإنجليز مناوشات انتهت بانهزام عرابي وقومه، وسار الإنجليز إلى القاهرة، وأسلم العرابي نفسه، وقبض على من كان معه ومن اتهم بالتشيع له، وسجن الجميع في أضيق السجون، وبعد أن حضر الخديوي إلى القاهرة وهدأت الأمور عينت لجنة للتحقيق وأخرى للحكم على كل بقدر جنايته، وتم الأمر بعقوبة البعض والعفو عن البعض وتبرئة البعض، ولله عاقبة الأمور.
وإثر انهزام العرابيين تشكلت نظارة تحت رئاسة المرحوم شريف باشا في سنة 1883 ميلادية، فكنت من أعضائها على ديوان الأشغال العمومية، فوجهت النظر نحو إتمام ما تقرر في المدة السابقة، وفي هذا العام أعني سنة 1883 ميلادية نلت من لندن الحضرة الخديوية التوفيقية رتبة (روملي بيكلر بيك)، وفيها أيضا كانت وابورات الخطاطبة غير كافية لاحتياجات أراضي المديرية، فحصل تنقيح الشروط التي كانت قد عملت مع مسيو داستون على تجديد وابورات بفم ترعة الخطاطبة، ولزيادة مقدار الماء نحو خمسة ملايين متر مكعب بعد أن كان الوارد ثلاثة ملايين، واتخذ الديوان طريق المقاولة في المباني على الإطلاق، ورتب لمراقبة ذلك من يلزم من المهندسين لئلا تخرج الأعمال عما في التعهدات، وجعل لذلك استمارة يجري العمل عليها، ثم أخذ في نقل جسور الترعة الأصلية كي لا تنال الأتربة فيها، وليتمكن من تكرار العمل، ولكثرة العمل قسم على سنين، وجعل بعضه يعمل بالمقاولات على وجه التجربة، والبعض يعمل بأنفار العونة، ثم وجهت الهمة نحو مرمة عمارات جميع المديريات وتجديد ما هو لازم، ورتبت كراكات بالمحمودية لاستدامة قطاعها، وصار مد الترعة الإبراهيمية لسقي زرع مديرية بني سويف، وترتيب كراكات بالإبراهيمية، وبنيت الورشة لترميم الآلات وتجديد ما يلزم، ورتب لها ما يلزم من الأدوات والصناع، وصرف على تطهيرها في هذه السنة نحو سبعة وعشرين ألف جنيه، وبلغ إيرادها في أشد التحاريق نحوا من أربعة ملايين متر مكعب من الماء، ومثل ذلك صار في ترعة الإسماعيلية وصرف عليها نحو أربعة وعشرين ألف جنيه، وكان بحر مويس يقل به الماء في زمن الصيف لكثرة الرمال بفمه، وحدوث الجزائر به وأمامه، ولا ينفعه التطهير الجاري به كل سنة، فرتبت به كراكة بأدواتها وعمالها فزالت منه الرمال وكثر الماء فيه وفي فروعه، واستقر الحال على استعمال الكراكات في الأبحر الكبيرة كالشرقاوية والمنصورية ورياح الوسط ورياح المنوفية والغربية، وأن يكون ذلك على التدريج، وبذلك تخفف التطهيرات الصيفية عن كاهل الأهالي، وما يتحصل من البدلية ربما يوازي ما يصرف على الكراكات ولوازمها مع كثرة فوائد الكراكات جدا عن عمل الأنفار.
وأجريت في تلك السنة أعمال متنوعة فيما يخص التطهيرات والمحافظة على كوبري قصر النيل وسد أبي قير، وأنشئ بالشرقية مدرسة الزقازيق وديوان المديرية وملحقاته، وفي القاهرة أجرى تبليط الشوارع ومرمة أخرى وإنشاء مجارير، ومرمات مبان وترتيب فوانيس غاز على حسب الحاجة، واشترى هراس بخاري وكناسات تجرها البهائم، وتنظيم جنات وميادين، وبلغ مصرف أعمال القاهرة في تلك السنة نحو خمسة وسبعين ألف جنيه، وكذا جرت عمائر وأعمال متنوعة بمدينة الإسكندرية وفي الأقاليم البحرية والقبلية، ففي مديرية الدقهلية قنطرة ترعة الساحل، وكوبري معدني على ترعة أم سلمة، وصار الشروع في جعل ترعة الإيراد في البحر الصغير مصرفا لإحياء أراضي البحر االصغير، وترعة مستجدة بين أطيان الدراكسة وميت سويد وحوشة ببحيرة الطبلية، وفي الغربية صار الشروع في عمل قنطرة مدينة المحلة وقنطرة بسيون، وحولت ترعة سليم الآخذة من الخضراوية من نيلية إلى صيفية؛ ونقلت جسور ترعة الساحل، وفي البحيرة عملت حوشة جديدة على جزيرة الطيرية وتحويلة لجسر النيل بناحية النجيلة، وأخرى وقاية من بتبيت ناحية الأخماس، وفي القليوبية نقلت جسور ترعة كوم بتين وعملت مساطيح لترعتي القرطامية وأبي المنجي، وفي مديرية بني سويف بنيت القناطر السبع في جسر قشيشة وسحارات تحت بعض الترع لنفوذ المياة الحمراء إلى الحيضان، وقناطر أخرى في الجسور للصرف، وعملت قنطرة بالحوض السلطاني، وفي الفيوم قناطر بحر الغرق، وسد فم بحر النزلة القديمة، وعملت به تحويلة لإيصاله بالبحر الأصلي، وفي مديرية المنية عملت قناطر بالحيضان كحوض الطهنشاوي وحوض الجرنوس، وكذا عمل في مديريتي جرجا وقنا.