وكانت هيئة النظارة سائرة في الطريق الجادة ناشرة ألوية العدل والتسوية بين القوي والضعيف والرفيع والوضيع، فاستوجب ذلك إثارة الحقد في صدور أرباب الأغراض، فتقولوا على هذه الهيئة، وطعنوا فيها، واختلط كثير منهم بضباط العسكرية، فأوغروا صدورهم، وألقوا في آذانهم أنهم الأحق بتعديل القوانين والتصرف في الحكومة، حيث إنهم أهل الوطن وأصحاب القوة، وحسنوا لهم ما صنع بعضهم من الثورة السابقة التي لم يعاقبوا عليها، فتعصبوا وتمكن منهم الغرور وكان رئيسهم أحمد عرابي أحد أمراء الآلايات وقتئذ، فاستمال سائرهم وعاقدهم على مضادة الحكومة، وتقدم من رؤسائهم لمجلس النظار عريضة يطلبون فيها تغيير ناظر الجهادية عثمان باشا رفقي وتشكيل مجلس نواب وغير ذلك مما يخرج عن حدود وظائفهم، فانعقد لذلك مجلس النظار تحت رئاسة المرحوم الخديوي توفيق، وانحط الرأي على عقد مجلس من الأهليين وبعض أمراء العسكرية للنظر في أمرهم والحكم فيهم بما تقتضيه قوانين الجهادية، وتعهد ناظر الجهادية بأن لا ينجم عن ذلك خطر ولا ضرر، فانعقد ذلك المجلس بقصر النيل وجلبوا إليه لمحاكمتهم، فقام جمع من الضباط والعساكر وهجموا على قصر النيل، وأهانوا من بالمجلس، وأخذوا العرابي ومن معه بالقوة على حسب عهد كان بينهم، فكان ذلك أول التظاهر بالعصيان والخروج عن طاعة الحكومة، وشاعت هذه النازلة حتى وصل خبرها إلى البلاد الأجنبية، فجمع الخديوي المرحوم توفيق النظار وأعيان الأمراء وتفاوضوا في إطفاء هذه الفتنة، فتقرر تغيير ناظر الجهادية وإجابة العسكر إلى مطلوبهم. والإغضاء عما حصل منهم لما تبين من عدم وجود قوة تحت يد الحكومة ترد جماحهم، فلم ينقطع الشر بذلك، بل تمادوا على العصيان، وحملهم الخوف على أنفسهم على شدة النفور وعدم قبول النصيحة، وطمعوا في أن يكونوا أصحاب الحل والعقد في الحكومة، وتأكد التحالف بينهم حتى بلغ بهم الأمر إلى أن هجموا على سراي عابدين ووجهوا إليها المدافع، وطلبوا سقوط هيئة النظارة وترتيب مجلس النواب وزيادة عدد الجند إلى ثمانية عشر ألف عسكري، فحضر القناصل وأوصلوا الأمر إلى دولهم بواسطة التلغراف، وبعد المخابرات أجيب العسكر إلى مطلوبهم، وغيرت هيئة النظارة، وصدر الأمر الخديوي إلى المرحوم شريف باشا بتشكيل هيئة تحت رئاسته، فشكلها، وعقد مجلس النواب؛ فشرع رجال المجلس في تقرير لائحته الأساسية، وبعد قليل طلبوا أن يكون لهم الحق في نظر ميزانية الحكومة بشرط عدم الخروج عن المعاهدات الدولية وقانون التصفية، فلم يجبهم المرحوم شريف باشا إلى ذلك، فأصروا على الطلب، وظاهرهم العسكر، فاستعفى المرحوم شريف باشا وتغيرت هيئة النظارة، وتشكلت هيئة جديدة تحت رئاسة محمود باشا البارودي، وجعل من رجالها أحمد عرابي علي الجهادية والبحرية، فلم تخمد بذلك نيران الفتن، بل اشتعلت وانضم إلى الطائفة العرابية الخوراج كثير من أهل البلاد وأعيانهم ما بين راغب وراهب.
وفي أثناء ذلك أتى إلى مينا الإسكندرية مراكب حربية إنجليزية وفرنسية وغيرها لتقرير الأمن وإطفاء الفتنة، وحضر إلى مصر درويش باشا مندوبا من طرف الدولة العلية لتسكين الفتنة، فلم تحصل النتيجة، وقام الخديوي إلى الإسكندرية ولحقه درويش باشا، وتدوولت المخاطبات بين الدول، وبينها وبين الباب العالي، وتقرر عقد لجنة بالأستانة العلية للنظر في هذه الحادثة.
وفي أثناء ذلك أطلقت على الإسكندرية المدافع من المراكب الإنجليزية، وقاومت العساكر المصرية سويعات ثم انهزموا، وخرجوا من الإسكندرية بعد إشعالهم النار فيها، وحثوا أهلها على الخروج فخرجوا هائمين على وجوههم كيوم المحشر، وتفرقوا في البلاد، وحصل لهم من السلب والنهب، وهتك الحريم ما يكل القلم عن حصره، ودخل الإنجليز الثغر، وتحصن العرابي ومن معه بقلاع عملوها من تراب بكفر الدوار، وسدوا المحمودية ليمنعوا وصول الماء إلى الإسكندرية، وكثر الممدون لهم بالأنفس والأموال ما بين راغب وراهب، وعم الخوف كل من لم يتشيع لهم، وامتلأت الطوبخانة ممن تظاهر بمخالفتهم.