وإلى ذاك الوقت لم يكن بالمديريات محلات كافية لدواوين الإدارة والقضاء والضبط ونحو ذلك، وكان الموجود منها مبنيا بالطوب النيء أو الدبش على غير نظام، وكانت السجون حجرا مظلمة لا يدخلها النور إلا قليلا، وكان أصحاب الجرائم على اختلاف جرائمهم يخزنون فيها كالأمتعة، يختنق داخلها بمجرد استنشاق هوائها، ففطنت الحكومة الخديوية لذلك وصدر الأمر بإنشائها فعمل ديوان الأشغال التصميمات اللازمة، وشرع في بنائها على التدريج، فبدأ بديواني مديرية الشرقية والمنوفية، وكذا لم يكن بالمديريات مستشفيات داعية إلى الصحة، بل كان بعضها محل مصانع ونحوها وأكثرها متهدم، والسليم منها كمربط البهائم، فعملت تصميمات لتلك الأعمال على حسب أهمية كل مديرية بالكبر أو الصغر، وتدرجت الأعمال على السنين فعمل مستشفيا المنصورة والغربية في تلك السنة، وكذا الذبح كان في الفضاء وجاريا على غير القانون ومنافع الحكومة منه قليلة، فبني مذبح المنصورة والغربية، وجعلت تلك المباني مثالا لما يبنى في سائر المديريات، وبنيت جملة مخازن للمصلح وقراقولات للعساكر وغير ذلك مما لا يسع المقام شرحه.
ولنذكر هنا بعض ملخص التقرير الذي عمل إذ ذاك بديوان الأشغال، وقدم لمجلس النظارة بخصوص الري، واستيفاء أعمال سقي الزراعة الصيفية في زمن التحاريق، وإزالة صعوبة أعمال التطهير عن كاهل الأهالي واتساع نطاق الزراعة والمحصولات، فمن أهم ذلك إتمام ما يلزم لعملية ترعتي الرمادي والإبراهيمية وترعة أخرى مهمة في الأقاليم القبلية لإزالة غوائل الشراقى الذي يتوقع حصوله في بعض السنين، فإن ما يصرف في أعمال تلك الترع أو في ترتيب وابورات لتكميل ري الحيضان المرتفعة ولو كان كثيرا في نفسه، لكنه قليل جدا في جنب ما تخسره الأهالي والحكومة عند حصول الشراقى، فقد كانت خسارة الحكومة وحدها سنة 1877 ميلادية عندما كان النيل أقل من 17 ذراعا وهبط بسرعة أكثر من مليون جنيه، ولا بد أن الأهالي كانوا بمثل ذلك أو أكثر، فضلا عما قاسوه من الضنك والموت، وكثيرا ما يكون النيل أقل من اللازم فتتكرر الخسائر، فمن الضرورى تدارك ذلك بإجراء تلك الأعمال للأمن على الأموال والأنفس، ومن ذلك بناء القناطر اللازمة في جسور الحيضان لتقل كمية الرديف السنوي، وتقل أنفار العونة، وفي الوجه البحري بدلا عن المعالجة في القناطر الخيرية وكثرة الصرف عليها مع طول المدة بترتيب وابورات على شاطئ النيل كافية لسقي المزروعات، وقد جرى البحث عما يلزم لكل مديرية من الوجه البحري، فتبين أنه يكفي جميعها في اليوم والليلة خمسة وعشرون مليون متر مكعب من الماء، بما في ذلك مليون ونصف لمديرية الجيزة، وباعتبار أن الفدان يلزم له عشرون مترا مكعبا كل يوم، وأن وارد النيل في أشد التحاريق هو ثمانية وثلاثون مليونا كل يوم؛ يكون الباقي في مجراه نحو ثلاثة عشر مليونا، ومبلغ الخمسة والعشرين مليونا المذكور موزع على مديريات بحري بحسب زمامها هكذا: لمديريتى القليوبية والشرقية خمسه ملايين منها ثلاثة ملايين وثلث من الوابورات التي وضع على الخليج المصري والشرقاوية والباسوسية، والباقي من النيل بواسطة الإسماعيلية وبحر مويس، ولمديرية الدقهلية أربعة ملايين: منها ثلاثة من الوابورات التي توضع على ترعة الساحل والبحر الصغير، والباقي من النيل بواسطة ترعتي أم سلمه والمنصورية بعد تطهيرهما بالكراكات حسب المطلوب، وللمنوفية والغربية عشرة ملايين منها: سبعة بالآلات البخارية وهي أربعة طقومة: واحد برأس روضة البحرين وآخر خلف القرينين، وثالث على ترعتي الساحل والخضراوية، والرابع بقرب فم البحر الصعيدي، والثلاثة الباقية من النيل بواسطة رياح الوسط، ولمديرية البحيرة أربعة ملايين ونصف من الوابورات الراكبة على المحمودية وترعة الخطاطبة خلاف ما يؤخذ من الرياح، ولمديرية الجيزة مليون ونصف بطقمي آلات أحدهما يوضع على الشاطئ الأيسر للنيل لري أراضي شرق أطفيح، والآخر في رأس المديرية القبلي قرب مصرف جرزة، وتقدم لديوان الأشغال من بعض الشركات المعتبرة طلب بتعهد إجراء تلك الأعمال، فبفرض معاملتها كنص شروط الخطاطبة، وجعل مدة الالتزام خمسا وثلاثين سنة عملت حسبة في الديوان فظهر أن ما يلزم دفعه كل سنة لتلك الشركة مائتان وسبعة وثمانون ألف جنيه مصري موزعة على المديريات هكذا: على مديرية الجيزة تسعة وثلاثون ألفا وثلاثمائة جنيه، وعلى القليوبية والشرقية تسعة وخمسون ألفا ومائة جنيه، وعلى الدقهلية ثمانية وثلاثون ألفا وستمائة وخمسون جنيها، وعلى المنوفية والغربية مائة ألف وألف وثمانية جنيهات، وعلى البحيرة تسعة وأربعون ألفا، وباعتبار أن المزدرع صيفا مليون فدان فقط يخص الفدان سبعة وعشرون قرشا صاغا تقريبا بصرفه تستوفى الزراعة حقها من المياه بسهولة، وإذا اعتبر التوزيع بالنسبة لعموم الزمام يخص الفدان نحو عشرة قروش، ذلك قليل جدا في جنب ما تحصل عليه البلاد من الفوائد التي منها أن رفع المياه بالآلات إلى مستوى ثابت يضمن ثبات مقدار الكمية اللازمة للزراعة مهما بلغت درجة انحطاط النيل وذلك من أهم الأمور، ومنها تنقيص التطهير النسبي بمقدار مهم جدا، ومنها إنه بواسطة الآلات تنال الأراضي المرتفعة والمنحطة من الماء بقدر اللازم فقط، ومنها إنه فضلا عن دوام استيفاء الكميات المقدرة من الماء، فمن الممكن زيادة ارتفاع الماء في الترع أو تنقيصه على حسب الحاجة، فيتوفر على الناس ما ينفقونه في سبيل رفع الماء بالسواقي ونحوها، ومنها إنه بواسطة رفع سطح الماء بحسب الطلب يمكن تحويل جميع الترع النيلية الداخلية إلى صيفية بدون إجراء حفر فيها بحيث يتيسر استخدامها للزراعة الصيفية، فيتمتع الأهالي بالزراعة الصيفية بعد حرمانهم منها. وبالجملة فبجلب المياه إلى الترع بواسطة الآلات يصير مقدار تصرفها كافيا كافلا لاحتياجات الأراضي؛ إذ لا توجد أرض إلا وريها مرتب على ترع نيلية أو صيفية، وقد تكلمنا في كتابنا «نخبة الفكر» على ما يتعلق بالقناطر الخيرية بأبسط عبارة، فليراجع.