ثم إن الذي كان متبعا في العمائر بالمدن الكبيرة كالقاهرة والإسكندرية إجراؤها على طرف الديوان، وكان لها معمارية وشغالة وعربات ونحو ذلك بمرتبات جسيمة شهرية، ومصاريف كثيرة تزيد عن قيمة ما يحصل فيها من الإنشاء والعمارة، فضلا عن عدم الإتقان، وكان يحصل من القائمين بأمرها الإهمال والتفريط فيها، وكان ما يجري تعميره في السنة - مع عدم إتقانه وكثرة ما يصرف عليه - قليلا بالنسبة للمحتاج للعمارة، وكان الديوان لا يتمكن من الحسابات السنوية، فبقيت عمارات كثيرة لم ينته الأمر فيها، ولا في حساباتها عدة سنين طويلة، وكان الذي يعمر منها - مع خفة بنائه ورداءة مونته - يحول من أوضاعه الأصلية الحسنة إلى أوضاع سيئة، فكنت ترى الدور المتسعة والمنازل الكبيرة حولت إلى حيشان وربوع يسكنها الكثير من الناس، بحيث تحمل فوق طاقتها لزعم ولاتها أن في ذلك تكثيرا لريع الوقف، مع أنهم كانوا ما يورثونها إلا التخريب وإضاعة ما بها من نحو الأخشاب، وولاتها غافلون لا يعرفون إلا قبض الأجرة، فكان ما يتلف سنويا من عقارات الأوقاف أكثر مما كان يعمر بأضعاف، وهذا ضرر بين، فحصل الالتفات إلى ذلك، وعملت الطرق الموجبة لعمارة الأوقاف وكثرة ريعها وقلة مصرفها على الديوان، فجعل في أثمان القاهرة مأمورون من المهندسين، وكتبة ومعاونون، وصار الجباة تابعين للمأمورين، وشدد عليهم في الالتفات إلى ما نيط بهم، بحيث إن من فرط في أمر يجري عليه ما يستحقه، ففتحوا أعينهم ونصحوا في سيرهم خوفا على أنفسهم، فاستقام أمر كثير من الأوقاف وحسنت أحوالها.
ثم من أنفع الأعمال في الأوقاف ما أجري فيها من إبطال جعل إدارة عمائرها على طرف الديوان، وصارت تعطى بالمقاولة للمقاولين بعد النظر فيها من مأموري الأثمان وباشمهندس الديوان، وعمل رسوماتها اللازمة، وتقدير نفقاتها الموافقة، وجعل لذلك لوائح واستمارات نشرت بينهم جعلت قدوة لهم في الأعمال.
ثم قسمت أراضي الوقف الواسعة الخربة كالتي في جهة السيدة زينب وخلافها على الراغبين، يبنون فيها منازل وحوانيت وغير ذلك، بحكر يقرر عليهم يدفعونه كل سنة للأوقاف، وقرر في الاستمارة أن الآخذ بالحكر يدفع لخزينة الأوقاف حكر عشر سنين تبرعا منه، بحيث لا يحسبها في المستقبل، ثم يدفع الحكر سنويا، فأنشئ من ذلك مساكن كثيرا ما كانت مطرحا للزبل والعفونات والأقذار، فبعد أن كانت تجلب المضار للناس صارت نافعة تجلب ريعا كثيرا للوقف، وتبدلت سيئاتها حسنات. واستعين بذلك على التنظيم الجاري في المدن بالأوامر الخديوية، لتوسعة الشوارع والحارات وتقويمها، وتجديد ما يلزم تجديده منها، لتكون شوارع المدينة ومبانيها كافية صالحة لأحوالها الحاضرة من اتساع دائرة التجارة والثروة التي اكتسبها القطر ، إذ بذلك كثرت عربات الركوب وعربات البضائع والعمائر، فصار غير لائق بها بقاء الحالة القديمة على ما كانت عليه من ضيق الحارات والشوارع واعوجاجها، إذ كان الازدحام بها يترتب عليه النصب والعطب الخطر والضرر.
وصدرت الأوامر الخديوية لديوان الأشغال، ونحن به، بالنظر في ذلك، وأن يعمل له قانون يأتي على المرام، وكان قبل ذلك رسم القاهرة محولا على فرقة من المهندسين تحت رئاسة المرحوم محمود باشا الفلكي، فرسموها على ما كانت عليه، وبناء على هذا الرسم كتبت الإشارة فوقه بعمل هذه التنظيمات الموجودة بالمدينة المشاهدة الآن، مثل شارع محمد علي وميدانه، وشوارع الأزبكية وميدانها، وما بعابدين من الشوارع ونحوها، وباب اللوق وغير ذلك مما هو بداخل المدينة وخارجها، وجرى العمل على ذلك، فظهرت كل هذه المباني الحسنة والشوارع المستقيمة المتسعة المحفوفة بالأشجار الخضرة النضرة المستوجبة للقادمين على المدينة انشراح الصدور والفرح والسرور، وأزيل ما كان بجهتها البحرية من التلال التي كانت تمتد من جهة الفجالة إلى قرب باب الفتوح.