ثم تبرع الخديوي إسماعيل باشا على الراغبين بمواضع كثيرة، فأنشأوا بها المباني المشيدة والبساتين العديدة.
وناهيك بقصور الإسماعيلية ودورها وبساتينها وشوارعها التي يكل الوصف عن محاسن بهجتها وأحاسن رونقها ونضرتها، وقد كانت أراضيها بين خلوات متسعة وتلال مرتفعة وبرك منخفضة وغابات معترضة، ولم يكن بها صالح للزرع ومأهول بالناس إلا القليل، فأنعم بها الخديوي بلا مقابل رغبة في العمران والنظافة وحسن الهيئة، فكم زال بذلك من عفونات وقاذورات ومشاق وصعوبات.
وزاد في بهجة المدينة واكتسابها نورا على نور، ما أحدثته شركة من الإفرنج بإذن الخديوي من نشر غاز التنوير بها في سائر شوارعها وضواحيها، حتى ذهبت غياهب ظلامها والتحقت لياليها بأيامها.
ثم لأجل زيادة الأمن والتسهيل على الخاص والعام، صدر أمره بعمل القناطر الحديد المعروفة بالكوبري بين قصر النيل والجزيرة على الوجه البديع، وعملت السكك المنتظمة في بر الجزيرة،وحفت بالأشجار، وفرشت بالأحجار الدقيقة المختلطة بالرمل لمنع الأتربة، وتسهيل المرور إلى العمائر والسرايات والبساتين المنشأة هناك التي تجل عن الوصف، كما فعل ذلك في جميع الشوارع المستجدة بالمدينة وضواحيها بشركة من الإفرنج أيضا، حيث أقامت وابور الماء، الذي عم جميع جهات المدينة، حتى تمتعت الأهالي بماء النيل بلا كبير ثمن ولا مشقة، وكل ذلك فوق الأعمال الجسيمة التي أجريت في جهات القطر، مثل ما تجدد بالإسكندرية، وما تجدد بالسويس من عمل الميناء والحوض، والمحافظة وشركة الماء، وما رسم في المديريات من عمل الدواوين والجسور والقناطر والترع التي من أعظمها ترعة الإبراهيمية، وترعة الإسماعيلية التي حفرت بالمقاولة.
فهذه الأعمال جميعها أو أكثرها كنت أنفذ أوامرها بوضع رسومات وشروط مع المقاولين ونحو ذلك لضرورة تعلقها بديوان الأشغال، فكنت في مدة إحالة هذه الدواوين علي، مشغولا بالمصالح الأميرية، وتنفيذ الأغراض الخديوية ليلا ونهارا حتى أرى وقتا ألتفت فيه لأحوالي الخاصة بي، ولا أدخل بيتي إلا ليلا، بل وكنت أفكر في الليل فيما يفعل بالنهار، لا سيما وأعمال القنال الملح كانت قد تمت، وكان الخديوي قد صمم لتمامها على عمل مهرجان، ودعا لذلك كثيرا من ملوك أوربا وسلاطينها وعظمائها، وهذه الحالة تستدعي استعداد السكك الحديد وعرباتها وتهيئة المدينة لدخولهم، فكنت مع النظر في أحوال تلك الدواوين مشغول الفكر دائم السفر في مصالح هؤلاء المدعوين إلى أن انقضى جميع ذلك على أحسن حال، وأحسن إلينا من طرف الخديوي بالنيشان المجيدي من الرتبة الثانية، وأهدي إلينا من طرف قرال النمسا نيشان (غرانقوردون)، ومن طرف قرال فرنسا نيشان (كماندور)، ومن دولة البروسيا نيشان (غرانقوردون)، وغير ذلك من النياشين.
وقد بقيت تلك المصالح تحت يدي إلى رمضان سنة ثمان وثمانين، ثم انفصلت عن ديوان السكة، ثم عن المدارس والأشغال بعد أيام قلائل، ثم عن الأوقاف بعد مضي قليل من شوال من تلك السنة، وكانت أسباب الانفصال أن ناظر المالية إذ ذاك، وهو المرحوم إسماعيل باشا صديق، كان قد رغب أن يضم دخل السكة الحديدية إلى المالية، وحصل الكلام بيننا في ذلك فقلت له: «لا مانع وإنما يكون الصرف على السكة الحديدية تابعا للمالية حينئذ، ولا أكون مسئولا إلا عن مجرد إدارتها بشرط أن يصدر أمر الخديوي بذلك حتى لا يعود علي سؤال فيما عساه أن يحصل من الضرر» فلم يوافق ذلك أغراضه، ورماني بما رمى، فترتب عليه ما ترتب، لكني لم أقم في بيتي إلا نحو شهرين.
ثم صدرت الأوامر الخديوية في يوم عيد الأضحى بجعلي ناظرا على ديوان المكاتب الأهلية، وأمرت بتنظيم ديوانها، وعمل رسومات لتجديد مكاتب في مدن الأرياف وبلادها كل على حسبه، وما يناسبه، لعلم الخديوي أن مكاتب الأرياف غير مستوفية لدواعي الصحة، ولا لشروط النجاح في التعليم، فرسمت ذلك، وألحقت به تقريرا لبيان ما يلزم اتباعه في جميع المكاتب بحسب الأهمية، وكان الغرض عمل نموذج في كل جهة ليجري البناء على مثله، لكن عرضت عوارض أخرت ذلك.