وجعل بها محل للاطلاع على الكتب والمطالعة والمراجعة فيها، والنسخ والنقل منها، ورتب فيه ما يلزم للكتابة من الأدوات بحيث يتيسر بهذا الموضع لكل من شاء غرضه من ذلك متى شاء، وأمكن الاطلاع على خطوط الملوك والمؤلفين والعلماء والمتقدمين ومشاهير الخطاطين كابن مقلة وغيره، مما كان يسمع به الإنسان ولا يراه، أو لا يسمع به.
وأخذت بعد إنشائها وافتتاحها في تكميل الناقص من الكتب، وتجديد شراء كل ما يستحسن، وأمكن تحصيله مما ليس موجودا بها من الكتب، ومشى على هذه الطريقة كل من رضيها، ورأى إتمام الفائدة بها ممن تولوا على نظارة المدارس والأوقاف بين مكثر ومقل.
ولأجل إتمام الفائدة ألحقت بهذا المحل محلا للآلات الطبيعية وغيرها من آلات العلوم الرياضية اللازمة للمدارس، وصرف لمشتري تلك الآلات نحو أربعة آلاف جنيه، وتجميع ذلك سهل على التلامذة والمعلمين السير في طرق التقدم، وتقيدت لديهم شوارد الفنون، وتمكنوا منها بالمعاينة والتمرن على استعمال تلك الآلات، واجتلاء المعقول في صورة المحسوس، فتعاضد الفكر والنظر والعلم والعمل.
ثم إنه قد حصل من انضمام الأوقاف للمدارس مساعدة كل منهما للآخر مساعدة كلية، إذ صار أمر التعليم في المكاتب ملحوظا بعين المدارس، فكان سيرهما في التعليمات والتنبيهات والامتحانات السنوية وغيرها سواء، وتيسر لمن أكملوا دروسهم الابتدائية في مكاتب الأوقاف والمكاتب الأهلية المنتظمة دخول المدرسة التجهيزية، والتدرج منها إلى المدارس العالية، وبذلك صار يؤخذ منهم بالرغبة والأهلية كل سنة عدد عديد، كما يؤخذ من تلامذة المدارس الابتدائية الأميرية؛ وأحيت المدارس كثيرا من عقارات الأوقاف المندرسة وانتفعت بها كما مرت الإشارة إلى ذلك.
وكم من أهل خير في الزمن السابق كانوا قد أنشأوا مدارس بالمحروسة والإسكندرية وكثير من مدن القطر للتعليم والتربية حسبة لله تعالى، ووقفوا عليها أوقافا خيرية جمة يصرف عليها ريعها، رغبة في نشر العلوم، وعود الفوائد على عموم الناس، بل كثير منهم ألحق بذلك خزائن كتب شاملة لما يحتاج إليه في التعليم، ولكن لسوء تصرف نظارها انحرفت عن الصراط المستقيم صراط الواقفين الراغبين في الخيرات، وصار ما يسلم من الهدم والتخريب يستعمل أكثره في أغراض أخرى، والمستعمل في الغرض الأصلي - على قلة - لا يستوفى في سيره شروط الواقف، وحد اللازم، وساءت حال التعليم في المكاتب الحاصلة، وقل المعلمون والمتعلمون، وصار اجتماع الأطفال والمتعلمين بهذه الأماكن قليل النفع، بحيث كان لا يفيدهم إلا الضياع والأمراض الناشئة عن الوسخ والتفريط، فحصل رجوع كثير من هذه العمائر إلى أصلها المقصود منها، والفائدة الموضوعة لها، وانضمت إلى ديوان الأوقاف العمومي، لتكون إدارتها تحت نظره مشمولة بمناظرة ديوان المعارف وترتيبه، فتخلص من أطماع النظار، وحصل رم ما احتاج إلى الإصلاح من المدارس ومن أوقافها التي يأتي منها الريع، وانتزع ما استولت عليه الأيدي من غير استحقاق، فانضبط أمرها وإيرادها، فحييت هذه المآثر بعد موتها، وعادت ثمراتها بعد فوتها.
ثم إن هذا النظر لم يكن قاصرا على المدارس وأوقافها، بل حصل الالتفات لجميع الأوقاف من التكايا والمساجد وغيرها بالإصلاح والتجديد، وكان ما بالأقاليم من الأوقاف من أطيان وعقارات - على كثرته - غير ملتفت إليه، فكان السالم من التلف من السبل ونحوها مستعملا في غير وجهه، تحت أيدي غير مستحقيه، فانتخب لها من طرف الأوقاف مأمورون من المهندسين الذين تعلموا في المدارس، وأرسلوا إلى الأقاليم للنظر في أمر الأوقاف وضبطها ومعرفة ريعها، وما يلزم لها من العمارات، وتحصيل غلاتها، وملاحظة مصروفاتها، وجعل المندوبون للوجه البحري تابعين في إدارتهم لمأمورية طندتا، والمعينون في الوجه القبلي يخاطبون من الديوان، فضبطوها وحرروا جداولها، وفعل بها ما هو الأصلح لها، فانتظم سيرها ونمى ريعها.