تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا دجل أدبي نعوذ بالله منه، وهذا إفساد للفن ممن يريدون الالتصاق بالفن. شأن هؤلاء شأن صغار المصورين الذين يعمدون إلى دريهمات العامة بالإكثار من الألوان الزاهية البراقة، وإن ضاع الانسجام، وقتل الفن الرفيع قتلا.

وربما كان الشعر أعصى الفنون على التعلم، وأبعدها من أن ينال بالدرس والتدريب، إنما هو شعاع يضعه الله في قلب من يشاء، وهبة يمنحها لمن يشاء، وحاسة معنوية يزيدها في خلق نفر من عباده يحسون بها ما لا يحسه كثير من الناس، فيترجمونه بيانا ساحرا، وقولا مبينا.

والشعر طريق معبدة بين عالم الأجسام وعالم الأرواح، ينقل إلى المادة الفانية نفحات الروح الخالدة، ويرسل إلى ظلمات الحياة نورا قدسيا، يبدد غيوم الغموم، ويكشف السبيل للأمل الحائر.

فليس الشعر الوزن وحده، ولا القافية وحدها، ولا الكلمات التي تملأ فراغ التفاعيل، وإن عذبت ولطفت، وإنما الشعر ما وراء كل بيت من ضوء روحاني وجد له بين ألفاظه منفذا، ومن سحر سماوي زحزح البيت دونه طرف الستار.

وشأن الشعر شأن الفنون كلها، إما أن يكون فنا، وإما ألا يكون، وإما أن يكون شعرا، وإما ألا يكون، فليس فيه كبقية منتجات العقول جيد ومتوسط ورديء. فهو إما أن يكون جيدا، وإما ألا يكون شعرا، نعم إن الجودة متفاوتة، ولكنها إذا نزلت إلى حد التوسط فقد الشعر مميزاته، وسلب مقوماته، وأصبح كلاما، كما يجرد القائد المذنب من رتبه وألقابه فيصبح جنديا.

والكلام في الشعر يطول، وبحور الشعر فياحة النواحي، بعيدة الغور، ولكني أريد هنا أن أقدم للأدباء وجمهرة المثقفين مجموعة أشعاري، بعد أن أرجأت طويلا نشرها، وأهملت كثيرا في جمعها، وبعد أن ألح علي كثير من أصدقائي في إبرازها لتنال حظها في سوق الأدب.

فإذا استطاعت هذه الأشعار أن تزيد في بناء العربية صفا، أو أن تضيف إلى آياتها البينات حرفا. أو أن تذيع من مسكي معانيها شذا طيبا وعرفا، فقد بلغت المنى، وحمدت السرى، ونلت التوفيق كله، وسكنت نفسي أن قدمت بين يدي عملا أشعر أن فيه أداء لحق لغتي وأمتي، وأن فيه غذاء صالحا للناشئة المصرية الكريمة التي بذلت حياتي، وأبذل ما بقي منها في تثقيفها، وإنهاضها إلى الأوج الذي تريد وأريد.

| أبو الزهراء

في ذكرى المولد النبوي الكريم جادت قريحة الشاعر بهذه القصيدة العصماء عام 1948م.

أطلت على سحب الظلام ذكاء

وفجر من صخر التنوفة ماء

1

وخبرت الأوثان أن زمانها

تولى، وراح الجهل والجهلاء

فما سجدت إلا لذي العرش جبهة

ولم يرتفع إلا إليه دعاء

تبسم ثغر الصبح عن مولد الهدى

فللأرض إشراق به وزهاء

وعادت به الصحراء وهي جديبة

عليها من الدين الجديد رواء

2

ونافست الأرض السماء بكوكب

وضيء المحيا ما حوته سماء

له الحق والإيمان بالله هالة

وفي كل أجواء العقول فضاء

تألق في الدنيا يزيح ظلامها

فزال عمى من حوله وعماء

ورد إلى العرب الحياة وقد مضى

عليهم زمان والأمام وراء

حجاب طوى الأحداث والناس دونهم

فأظهر ما تجلو العيون خفاء

بنت أمم صرح الحضارة حولهم

وأقنعهم إبل لهم وحداء

3

عقول من الأحجار هامت بمثلها

وكل بكيم للبكيم كفاء

فكم كان للرومان والفرس صولة

وهم في بوادي أرضهم سجناء

عراك وأحقاد يشب أوارها

جحيما، وكبر أجوف وغباء

عجبت لأمر القوم يحملون ناقة

وساداتهم من أجلها قتلاء •••

بدا في دجى الصحراء نور محمد

وجلجل في الصحراء منه نداء

نبي به ازدانت أباطح مكة

وعز به ثور وتاه حراء

4

ينادى جريء الأصغرين بدعوة

أكب لها الأصنام والزعماء

5

دعاهم لرب واحد جل شأنه

له الأمر يولي الأمر كيف يشاء

دعاهم إلى دين من النور والهدى

سماح ورفق شامل ووفاء

دعاهم إلى نبذ الفخار وأنهم

أمام إله العالمين سواء

دعاهم إلى أن ينهضوا بعفاتهم

كراما، فطاح الفقر والفقراء

6

دعاهم إلى أن يفتحوا القلب كي ترى

بصيرته ما يبصر البصراء

ديوان علي الجارم · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ديوان علي الجارمص ٤