تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فدنا وقال: لعلها معذورة

في بعض رقبتها فقلت: لعلها

طرب وقال: هذا والله الدائم الصبابة، الصادق العهد، لا الذي يقول:

إن كان أهلك يمنعونك رغبة

عني، فأهلي بي أضن وأرغب

لقد عدا هذا الأعرابي طوره! وإني لأرجو أن يغفر لصاحب هذه الأبيات لحسن الظن بها، وطلب العذر لها، ثم عرض عروة الطعام فقال: لا والله، ما كنت لأخلط بهذه الأبيات طعاما حتى الليل!

إن الأديب وحده هو الذي يفهم الشعور الذي ملك على المخزومي نواحي نفسه، واللذة الفنية التي لم يرد أن يفسدها بطعام طول يومه.

ثم انظر إلى قول سعد بن ناشب وكان من مردة العرب، وشياطين الإنس، تجد فخامة وجزالة وبطولة لا يصورها إلا الشعر، ولا يدركها إلا ذوق الشاعر:

إذا هم ألقى بين عينيه عزمه

ونكب عن ذكر العواقب جانبا

ولم يستشر في رأيه غير نفسه

ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا

ومن التصوير الرائع الذي يملك الجنان، ويعقل اللسان قول أبي نواس:

ركب تساقوا على الأكوار بينهم

كأس الكرى فانتشى المسقي والساقي

كأن أرؤسهم والنوم واضعها

على المناكب لم تخلق بأعناق

ساروا فلم يقطعوا عقدا لراحلة

حتى أناخو إليكم بعد أشواق

من كل جائلة الطرفين ناجية

مشتاقة حملت أوصال مشتاق

قالوا: إن محمد بن زياد الأعرابي كان يطعن على أبي نواس، ويعيب شعره. ويضعفه ويستلينه، فجمعه مع رواة شعر أبي نواس مجلس، فأنشده أحدهم الأبيات السابقة، فقال: لمن هذه الأبيات؟ وكتبها، فقال: للذي تذمه وتعيب شعره أبي علي الحكمي، قال: اكتم علي، فوالله لا أعود لذلك أبدا.

وإذا أردت لهو أبي نواس وعبثه الذي يبعث في النفس إعجابا يروغ من التصوير، ونشوة تفر من الوصف والتعبير، فاستمع إليه حين يقول:

غننا بالطلول كيف بلينا

واسقنا نعطك الثناء الثمينا

من سلاف كأنها كل شيء

يتمنى مخير أن يكونا

فإذا ما اجتلينها فهباء

يمنع الكف ما يبيح العيونا

ثم شجت فاستضحكت عن لآل

لو تجمعن في يد لاقتنينا

في كؤوس كأنهن نجوم

دائرات، بروجها أيدينا

طالعات مع السقاة علينا

فإذا ما غربن يغربن فينا

هذا فن يدركه الذوق، ولا يشرح تشريح الجثث.

ومن الأبيات التي يروعك جمالها، ويهتز وجدانك لتأثيرها، ويبهر نفسك تصويرها، قول الشريف الرضي:

ولقد مررت على ديارهم

وطلولها بيد البلى نهب

فتلفتت عيني فمذ خفيت

عني الطلول تلفت القلب

ولو أردنا أن نقول في لطف جمال الشعر وروحانيته، وعجز الألفاظ عن الإحاطة بسره، وإماطة اللثام عن مكنون سحره، لطال حبل الكلام، وحاد القلم عن الجادة، ولكنا نستطيع أن نقول في جملة قصيرة: إن جمال الشعر في نظمه وجرسه ورنينه، وفي انتفاء ألفاظه وتجانسها. وفي ترتيب هذه الألفاظ ترتيبا يبرز المعنى في أروع صورة وأبدعها، وفي اختيار الأسلوب الذي يليق بالمعنى ويلبق به. فمرة يكون إخبارا، ومرة يكون استفهاما، ومرة يكون استنكارا، ومرة يكون نفيا، ومرة يكون تعجبا. كل ذلك يكون مع المحافظة على الأسلوب العربي الصميم.

ثم في المعاني وابتكارها أو توليدها من القديم في صورة جديدة رائعة. ثم في الخيال وحسن تصويره والتزام الذوق العربي فيه. ثم في إحكام القافية والتمهيد إليها، ثم في انتقاء البحر الذي يلائم موضوع القصيد، ثم في التنقل في القصيدة في فنون شتى من القول مع المحافظة على الوحدة الشعرية، ثم في روح الشاعر وخفة ظله، وانسياقه مع الطبع. وتعمده لمس مواطن الشعور.

ولا يكون جمال الشعر دائما بالمجاز والتشبيه وضروب التزويق اللفظي. وإنما جماله في استعداده للنفاذ إلى النفس، والوصول إلى القلب على أي صورة كان. وفي أي ثوب يكون، ولأمر ما كان لبعض الشعر الجاهلي منزلته التي لا تسامى. ومحله الذي لا ينازع. ولأمر ما هوى الشعر صريعا يلهث حينما أثقله المتأخرون بنفائس الحلي وأنواع الحلل.

وقد يخلط من لا بصر له بالشعر بين تأثير الحال التي قيل فيها الشعر وتأثير الشعر نفسه، وكثيرا ما نال الشاعر تصفيق الجماهير واستحسانهم؛ لأنه يتجه إلى عاطفة فيهم سريعة الالتهاب سهلة الإثارة، وكثيرا ما يلجأ بعض الشعراء في موضوع بعيد عن عاطفة العامة إلى الاستطراد إلى ذكر ما يثير نفوسهم استجداء لصيحات الاستحسان وطلب الإعادة.

ديوان علي الجارم · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ديوان علي الجارمص ٣