تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما داهمته الدبابات، التف حولها، غير هياب، وإذا بالعساكر الفرنسية تطلق نيران مدافعها ورشاشاتها وبنادقها على المتظاهرين الذين ثارت ثائرتهم إذ ذاك، فاقتلعوا أحجار الرصيف وأخشاب الأبواب، وتسلحوا بما وقعت عليه أيديهم من الآلات الفلاحية، وأتوا بالبنزين وصبوه على بعض الدبابات والسيارات المصفحة، فاحترقت، وجرحوا عددا وافرا من الجنود، وأتت إذ ذاك «اللوريات» بنجدات جديدة من الجيش الفرنسي، ودخلوا المعركة التي دامت إلى ساعات بعد الظهر، وسقط الشهداء الأبطال عشرات - من بينهم صبي لم يتجاوز العامين داسته العساكر الفرنسية دوسا بالأقدام - والجرحى لم يحص عددهم، ومن الغد بعد أن صلت الجماهير على الشهداء في المسجد الكبير شيعت جنازتهم، وكان يسير خلف نعوشهم عشرات الآلاف من الوطنيين، ومعهم مراسلو الصحف التونسية والأجنبية، وكان الجو رهيبا تعلوه العظمة والخشوع، وما زالت آثار المعركة بينة في شوارع المدينة، وما زالت أرضها ملطخة بالدماء. (3-2) في جهة الدخلة

حاصر الجيش مدينة نابل يوم الأحد 20 يناير ، وأخذ الجند يتجولون في الشوارع، ويجرون تفتيشات مرهقة لجميع السكان، ويلحقون بهم أنواعا من الإهانات، وقد انتظمت في ذلك اليوم مظاهرة شعبية كبرى، وسارت في هدوء ونظام، فتدخلت القوات وصدمتها وشتتتها من غير أن يرد الوطنيون الفعل، وفي صباح 21 يناير واصل الجنود تفتيشاتهم، وضايقوا الناس مضايقة لا توصف، واستفزوهم استفزازا، فاجتمعوا في المسجد الكبير نساء ورجالا، وخطب في هذا الاجتماع كل من السيدات آسيا غلاب وحرم الوطني حسونة القروي والآنستان آمنة قرط باشالي من أعضاء الشعبة النسائية الدستورية، ومن المسجد خرجت مظاهرة شعبية كبرى معلنة التأييد لجلالة الملك ووزارته في رفع القضية أمام مجلس الأمن، ومعلنة أيضا الاحتجاج على العدوان الفرنسي المسلح سارت المظاهرة مخترقة شوارع المدينة، متجهة إلى إدارة العامل لتبليغ احتجاجها، وكان يسودها النظام والهدوء، ولكن عند عودة المظاهرة اعترضها الجند، وصادمها ساعيا في تفريقها، ولما شاهد عزمها على متابعة السير من غير أن ترد الفعل، قذف عليها عددا وافرا من القنابل المسيلة للدموع، فتحملها الوطنيون بصبر وجلد، وإذا بالقوات المسلحة تطلق رصاصها على المتظاهرين، فتسلق بعض التونسيين السطوح المجاورة لإدارة العامل، ورموا القنابل اليدوية على القوات الفرنسية، ودارت معركة حامية استشهد فيها ثلاثة ومات على أثرها خمسة آخرون من جراحهم، وسقط أكثر من ثلاثين جريحا بين نساء ورجال، وفي المساء ألقي القبض على الوطنيين بالجملة، أما الإضراب العام فهو مستمر بغير انقطاع بنابل منذ يوم 18 يناير.

وكانت مدينة «الحمامات» القريبة من نابل مسرحا لحوادث أخرى؛ ففي صباح يوم 21 يناير اجتمع جم غفير من الوطنيين بالنادي المركزي للحزب الحر الدستوري، وتقرر تنظيم مظاهرة سلمية لتبليغ لائحة احتجاج إلى الدوائر المسئولة، وبينما الاجتماع قائم إذا برئيس مركز البوليس الفرنسي يحاصر النادي بقوات الجند والدبابات التي أسرعت إلى إطلاق الرصاص باستمرار، ورمت القنابل المسيلة للدموع في وسط النادي، فتفرقت الجماهير إثر ذلك، وبعد الظهر - وقد فارقت القوات الفرنسية المدينة في الصباح - أقام الوطنيون سدا في الطريق الرئيسي، وجاء الدرك الفرنسي في عدد وافر تعززه فرق الجيش، وأراد مهاجمتهم، ولكن نيران الوطنيين أوقفته ثم أخرته، ودامت المعركة ساعات كاملة إلى أن أتت نجدات كبيرة من الجيش الفرنسي، فاقتحمت السد وافتكته، واستمرت المعركة داخل المدينة، ودامت نحو عشر ساعات، وأسفرت هذه الاشتباكات عن تسعة من التونسيين الجرحى واستشهاد اثنين منهم هما المرحومان الطيب العزابي من الحمامات ومفتاح بن الهادي التريكي من «الوطن القبلي»، وقد منع البوليس الفرنسي السكان من حمل جرحاهم إلى المستشفى، وسد دونهم الطريق بالقوة، فاضطروا إلى وضع الموتى والجرحى في المسجد ب «ربض الحوانيت العليا» إلى الغد، وفي الساعة الرابعة صباحا تسلق الجنود الفرنسيون سطوح البيوت، وبقوا هناك كامل اليوم، واقتحم رئيس البوليس النادي، وكسر قفله، ومزق ما فيه من أعلام وصور، وحطم الكراسي والأثاث، وفجر فيه المفرقعات، ثم استنجد برجال الجندرمة وبعض المعمرين الفرنسيين المعروفين هناك، وفتش جميع المنازل، وألحق بأهلها أنواعا من العذاب والإهانات، وسيق إلى سجن «القصبة» نحو ثمانين وطنيا، أما عدد القتلى والجرحى من العساكر الفرنسيين في تلك الواقعة فهو مرتفع جدا وقد أخفته الدوائر الرسمية الفرنسية.

تونس الثائرة · الصفحة ٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٩٣