وقامت مدينة «قليبية» بمظاهرات سلمية متعددة منذ يوم 18 يناير، وكان يوم 24 منه يوما مشهودا؛ إذ تدفق عليها الوطنيون من القرى المجاورة، فاجتمع أمام نادي الحزب عشرات الآلاف من السكان، وسارت المظاهرة بنظامها وهدوئها العادي؛ وإذا بالبوليس الفرنسي يهاجمها سعيا في تشتيتها، ثم يطلق عليها النار، وإذا بالمتظاهرين يردون الفعل ويهاجمون البوليس الذي فر واختبأ في مركزه، وتدفقت الجماهير وراءهم آلاف عدة، وأخذ إذ ذاك البوليس يصوب نحوهم نيران الرشاشات والبنادق من النوافذ ومن السطح، وتقدم الوطنيون صفوفا متراصة هازئين بالموت، وكان هجومهم قويا وجبارا؛ ومنهم من يعرف استخدام مفرقعات الديناميت في الصيد، فاستعملوا الديناميت لنسف مركز البوليس؛ فخربوه تخريبا، ودمروه كله حتى أصبح أنقاضا، وإذ ذاك تحول المتظاهرون نحو ثكنة الدرك الفرنسي، وشرعوا في إحراقها ورميها بالديناميت، ودارت بينهم وبين الجندرمة الفرنسيين معركة دامت ساعات، وإذا بقوات الجيش الفرنسي تهاجمهم من خلف على الساعة الرابعة بعد الظهر، وقد أتت تتقدمها المصفحات والدبابات التي وجهت نيران مدافعها إلى المتظاهرين ، وإلى القرية بأسرها، فأنزلت الدمار في كل مكان؛ وحلقت الطائرات الصاروخية وغيرها على مقربة من الأرض، ونشرت الخراب والموت بقنابلها ومدافعها الرشاشة، وبقيت آثار ذلك التدمير خاصة في مئذنة مسجد «حمام الغزاز» إلى يوم الناس هذا، وغيرها من الأماكن العامة والخاصة.
أما في «منزل بوزلفه» فقد اشتد غضب الشعب، وعم الغليان، وأخذ بعض المستعمرين المسلحين يتحدونه، ويثيرون عواطفه، ويسعون في الاعتداء عليه إخفاء لما نزل في قلوبهم من رعب وخوف، وإن كان التونسيون عازمين عزما كليا على اجتناب أي اعتداء على المدنيين الفرنسيين. وفعلا لم يمس فرنسي بسوء، واغتاظ المستعمرون مما رأوه في الشعب من حيوية وتمسك بمبادئ الاستقلال مع المحافظة على النظام؛ واستنجدوا بقوات الدرك والجيش ليدخلوا الاضطراب، وجاءت سيارة جيب تحمل الملازم فاشي
Vacher
واثنين من أعوانه ومعهم فصيلة من الجيش؛ ولما وجدوا ألا شيء يهدد النظام، اكتفوا بالتهديد والوعيد، ثم قفلوا راجعين؛ واتجهوا إلى قرية «بني خلاد» فدخلوها وجددوا بها أعمال التهور والإهانة للتونسيين الذين كانوا متجمهرين بميدان السوق؛ وشهروا سلاحهم في وجوههم، وهاجمتهم فرقة العساكر الفرنسية المسلحة، وأخذت في ضربهم بمؤخرات بنادقها، فرد الوطنيون الفعل حالا وتقدم أحدهم وعاجل «الملازم فاشي» عندما وثب من السيارة ليهاجم الوطنيين، مهددا إياهم بمسدسه، وأطلق عليه الرصاص فأصابه؛ فحمله أصحابه وفروا به إلى مدينة «قرنبالية» حيث قضى نحبه بمجرد الوصول إليها، ووقعت إثرها اشتباكات عدة في الجهة كلها بين الوطنيين والمستعمرين المسلحين، واكتفى التونسيون أثناءها بقلب سيارات الفرنسيين وحرقها. (3-3) في جهة القيروان
توالت المظاهرات الشعبية الصاخبة بمدينة القيروان منذ اعتقال الزعماء، فاجتمع يوم 20 يناير الشعب أمام نادي الحزب، وسار في مظاهرة منتظمة قوية مسالمة نحو إدارة العامل لإبلاغه مطالب الشعب، ولما وصل المتظاهرون إلى الحي الأوروبي، هاجمتهم قوات البوليس والدرك الفرنسي، وانهالت عليهم ضربا، وشتتهم، فتفرقوا في الشوارع الكبرى المجاورة، وقد بلغ منهم الغضب كل مبلغ؛ فهاجموا الشركات والدكاكين الفرنسية، وكسروا واجهاتها، وحطموا ما بها ورجعوا سالمين، وعقد الوطنيون يوم 24 يناير اجتماعا كبيرا جدا حضرته المدينة كلها، وجماعات كثيرة من القرى المجاورة؛ وخرجت مظاهرة عظيمة في الساعة الخامسة بعد الظهر قاصدة إدارة العامل لتسلم إليه لائحة احتجاج، فتدخلت قوات البوليس والجيش الفرنسي، وقسمتهم قسمين، وسعت في إرهابهم بالضرب والإهانة، وأخذت في تشتيتهم؛ ولكنهم واصلوا سيرهم المنتظم إلى أن بلغوا بابين من أبواب المدينة يفتحان على الحي الأوروبي، فإذا بالجنود والبوليس يهاجمونهم هجوما عنيفا بالباب الأول، واشتبكت المعركة وافتك الوطنيون بعض الأسلحة من الجيش، ودوى الرصاص في كل مكان، وأمطرت الحجارة على القوات المعادية. وفي الوقت نفسه دارت معركة أخرى أمام الباب الثاني، فتسلق التونسيون المسلحون سور المدينة وتمادوا في المعركة التي لم تنته إلا بعد ساعتين، ولم يعترف الفرنسيون إلا بجرح ضابط صغير، واستشهد خمسة من التونسيين، وفي الليل ألقي القبض على عشرات من الوطنيين من بينهم عدد وافر من الطلبة، ومن الغد (25 يناير) شيعت القيروان في موكب رائع يسوده الخشوع ضحاياها إلى مقرهم الأخير، وقد سار في الموكب عشرات الألوف من التونسيين يخيم عليهم السكون والصمت، وكان بدوي يسير في الطريق ليلحق بجنازة الشهداء فأطلق عليه أحد الجنود الفرنسيين الرصاص فأرداه قتيلا. (3-4) في جهة الساحل