وأتت بعد حين قوات عظيمة من الجيش، ومعها رجال المطافئ الذين تغلبوا على الحريق بعد جهد جهيد، ولكن آثاره بقيت مسطرة بالسواد على الحيطان الخارجية نفسها والأبواب، وبقي الجيش في حراستها.
وأخذ الوطنيون يوالون هجماتهم على دوريات البوليس والجيش الفرنسي، ليلا نهارا، ويرمون «اللوريات» الحاملة للحرس المتنقل بالرصاص أو القنابل اليدوية، وكأن التونسيين أحجموا عن إنزال ضربتهم القاضية على الفرنسيين في العاصمة نفسها، لكثرة الجنود فيها، ولاحتلالها بقوات مصفحة هائلة، ولصعوبة الأعمال بها، وقد قال صحفي أجنبي: «لا ينبغي أن يغتر الإنسان بالمظاهرة الكاذبة، فإذا كان سطح الماء هادئا فإن أعماقه تفور، والحياة هنا كأنها على بركان.»
وقد قالت الجريدة الإيطالية الميساجيرو
Messaggero
بتاريخ 23 / 1 / 1952 تصف جو المدينة:
وإنه وإن لم تحدث حوادث كبيرة بتونس، غير أن الدرك والبوليس والعساكر والقوات المصفحة قد ازداد تعزيزها، وهي ترابط في كل مكان تقريبا؛ إذ أصبحت تحرس حراسة شديدة المباني العامة وخاصة مساكن ضباط الجيش الفرنسي.
وكان رجال المطافئ على استعداد تام لمجابهة الطوارئ، والخوف من تجديد حرائق أمس قد طغى.
جو مدينة في حالة حرب، وكله انتظار، جو ثورة مستمرة عززه ما يسيل من دماء الشهداء في المملكة كلها.
وقد سجل صحفي فرنسي كان يعيش في تونس في تلك المدة ارتساماته التي نشرتها جريدة «ليموند» الباريسية بتاريخ 26 / 2 / 1953:
إن الحوادث الخطرة تملأ أيامنا بتونس منذ إبعاد بورقيبة، والجو ثقيل قد زادته مظاهر القوة ثقلا (سيارات حاملة للرشاشات، أعوان البوليس مرتدين خوذاتهم، جنود متنقلة)، ثقيل أيضا لما يجري على المارين - التونسيين فقط - من مراقبة من غير تمييز؛ يفتش التاجر الهادئ والحاكم الوقور كأنهما قطاع طريق، ولأقل احتجاج يصدر منهم يهانون بالدفع واللكم، ويرسلون إلى المعتقلات تحت مطر كأنه الثلج بردا، جو يسوده القلق في انتظار أخبار داخل القطر.
وزيادة في القمع والنكاية، أخذت المحكمة العسكرية الفرنسية تصدر بسرعة عجيبة أحكامها القاسية على المعتقلين التونسيين، فحكمت يوم 25 على شبان غالبهم من الطلبة الزيتونيين، وكان قد ألقي القبض عليهم أثناء المظاهرة التي دارت أمام السفارة العامة، وكان الحكم في الغالب بخمس سنوات سجنا.
8
لم تزد الحالة العامة إلا ارتباكا منذ اعتقال الحبيب بورقيبة يوم الجمعة 18 يناير، واهتزت بلاد تونس كلها اهتزازا، وهبت عليها عاصفة من العنف والمظاهرات الدامية التي سقط أثناءها عشرات وعشرات من الشهداء ومئات من الجرحى، وستتوالى الأيام الحالكة من غير انقطاع؛ إذ نحن في بداية معركة ستدوم أعواما، وإنما هي بوادر انتشار الحريق واندلاع ثورة لا يطفئها الحديد والنار، وقد عمت جهات بأسرها، وما أن بلغ خبر اعتقال الزعماء إلى الأنحاء المختلفة حتى أعلن الإضراب العام، وسار الشعب في مظاهرات كبرى في جميع المدن والقرى، ورد العدوان الفرنسي بما لديه من وسائل. (3-1) في جهة بنزرت
إن تلك الجهة من الأماكن الحساسة بالبلاد التونسية، فابتدأ بها الاضطهاد الفرنسي، وسال فيها دم الشهداء الزكي، وسال فيها الدم من جديد يوم 22 يناير في مدينة «غار الملح»، ولكنه دم فرنسي في هذه المرة، فقد هاجم الوطنيون - وهم مسلحون - داورية من الدرك العسكري الفرنسي، فقتلوا واحدا منها، ولما رأى الآخرون سقوط رفيقهم التجئوا إلى الفرار طلبا للنجاة، وجاءت بعد حين نجدات الجيش الفرنسي مسرعة فلم تجد إلا جثة الجندي.
وقرر الوطنيون بمدينة ماطر القيام بمظاهرة نظامية يوم الأحد 20 يناير لتقصد مكتب العامل (المدير) وتسلمه عريضة في مطالب الشعب، وذلك في الساعة الحادية عشرة صباحا، ولكن المراقب المدني الفرنسي «موران» - حسب اعترافه لمراسل جريدة الفيجارو الفرنسية في 13 / 1 / 1952 - أراد إفسادها قبل وقوعها، فأصدر أمره للدرك الفرنسي بإلقاء القبض على ثلاثة من القادة، في نادي الحزب الحر الدستوري، في الساعة التاسعة والنصف صباحا، فقام هكذا بمؤامرة مدبرة؛ إذ يعلم أن عمله هذا هو في الحقيقة إثارة للعواطف، واستفزاز للجماهير التي تبعت «اللوري» العسكري الحامل للمعتقلين، وأخذت تهتف هتافات عالية تطالب فيها بإطلاق سبيلهم، ولما رأى الجندرمة قوة المتظاهرين، وحماسهم، وعزمهم البين في عيونهم على استخلاص إخوانهم، أطلقوا سبيل القادة، وكلفوهم بإلقاء الخطب لتهدئة الجو، ولكن البوليس كان سيء النية؛ إذ استنجد حالا بقوات عسكرية كبرى، فأتت سريعا من «بنزرت» تصحبها الدبابات والسيارات المصفحة، ودخلت مدينة ماطر دخول الفاتحين، فازداد حماس الشعب واشتعل غضبه ولم تتفرق صفوفه.