وحوالي الساعة الرابعة بعد الظهر، خرجت مظاهرة شعبية بحي «الباساج»، واشتبكت القوات الفرنسية مع المتظاهرين في معركة دامية دامت ساعات أسفرت عن عدد وافر من الجرحى.
وفي الساعة الخامسة اجتمع التونسيون في مظاهرة فجائية بشارع «جول فيري» وهو شارع الحي الأوروبي الرئيسي، واصطدمت هي أيضا بالقوات الفرنسية وجرح فيها عدد من التونسيين.
واتسع نطاق استفزازات رجال البوليس الفرنسي للشعب؛ فلا يكتفون بتفتيش كل تونسي يمر بالشوارع، ثم يقذعون لهم شتما وشبا، وينهالون عليهم لطما وضربا، ويقومون بعمليات الاعتقال بالجملة في هذا اليوم. فيأخذون جماعات كاملة، ويسوقونهم سوقا إما في «لوريات» وإما على الأقدام نحو مراكز التحقيق والسجون، وقد بلغ عدد المعتقلين آلافا ولم يقف أحد عليه بالضبط.
وفي ذلك اليوم نفسه اعتقل الأستاذ الهادي شاكر العضو في الديوان السياسي الذي رأس المؤتمر (مؤتمر الحزب) يوم 18 يناير 1952.
وتوالت الحوادث بمدينة تونس من غير انقطاع مدة أسابيع، والقسوة الفرنسية تشتد يوما فيوما، والوطنيون يثبتون في رد الفعل، وقد حكت جريدة «الصباح» التونسية بتاريخ 23 يناير 1952 ما يقاسيه التونسيون فقالت:
كانت العاصمة حسب العادة التي أصبحت مألوفة منذ ستة أيام مضربة إضرابا تاما، شاملا لجميع حركات الحياة؛ ولا ترى في كل مكان وفي كل شارع وحارة إلا رجال البوليس المسلحين بالبنادق أو الرشاشات اليدوية يوقفون المارة - من التونسيين فقط طبعا - ويأمرونهم برفع أيديهم، ثم يفتشونهم، وبعد إتمام عملية التفتيش تنالهم أصناف من الإهانات والاستفزازات، كاللطم، والضرب بالأرجل، والتفوه بالعبارات الجارحة للعواطف الشخصية، والقومية، وويل لمن يتلفظ بعبارة واحدة، فإن العون يسوقه توا إلى سيارة كبرى تنقله فيما بعد إلى مركز المحافظة.
ويوجد من تفنن في الاستفزاز إلى درجة تجعله يمزق بطاقة إثبات الشخصية لكل من يسوقه القدر في طريقه، ليتمكن من اعتقاله كمشبوه في أمره، وقد بلغت الإيقافات عددا لم يبق في استطاعتنا إحصاؤه، بعد أن شاهدنا الأعوان يصطادون المارين من كل مكان ويرمون بهم في سيارات تسير بهم - حسب أقوال لم نتوصل إلى إثباتها - إلى القصبة.
وقد ازدادت عملية الاعتقالات شدة عندما شاع الخبر أن اجتماعا سيعقد بجامع الزيتونة المعمور الذي نصب الحصار حوله من طرف الأعوان السريين والمرتدين لأزيائهم الرسمية.
أما المدينة الأوروبية فكأنها أصبحت محرمة على التونسيين؛ إذ كان الأعوان يتعرضون لكل من يرتدي الزي العربي أو من على رأسه طربوش وشاشية.
لما رأى الوطنيون كثرة القتلى والجرحى في صفوفهم، وتيقنوا من أن صدور العزل، وإراقة دماء الشهداء الذين لا سلاح لهم، لا تكفي لرد العدوان الفرنسي، والوقوف أمام جيش مدجج بأحدث الأسلحة، غيروا طريقة كفاحهم، ونظموا وحدات قليلة العدد، تشاغب العساكر الفرنسية في كل مكان.
هاجم التونسيون عربات الترام الذي تقررت مقاطعته، وانقض بعض الشباب الوطني من الشوارع المجاورة على الترام الرابط بين تونس وضاحية «باردو» ورموه بالحجارة وبعض المفرقعات، فكسروا زجاجه، وجرحوا أربعة من الفرنسيين من ركابه، وبعد ذلك بقليل هاجموا عربة أخرى في نفس الموضع، وجرحوا اثنين من الفرنسيين، وتوالت الهجمات على الترام إلى أن تحاشي الفرنسيون الساكنون بضواحي تونس ركوبه، وأصبحت كل عربة في حاجة إلى حرس يحميها من غير جدوى في الحقيقة.
وأصبحت الليالي مكدرة، لا تسمع فيها إلا طلقات النار المستمرة من الجانبين التونسي والفرنسي، ويوم 23 / 1 / 1952 أفاق سكان «مدينة الشعراء» بحي «حفرة كريط» - وأكثرهم من الفرنسيين - مذعورين في الساعة الخامسة والنصف بعد منتصف الليل، ورأوا ألسنة النار تتصاعد حول عماراتهم والحريق يلتهمها، وكان يسكن بتلك العمارات ضباط الجيش الفرنسي وعائلاتهم، وقد أتى الوطنيون في تلك الليلة بكميات كبيرة من البنزين، وصبوها في مساكن الضباط، وأشعلوا النار فيها، فأحرق اللهيب الأبواب الخارجية، واقتحم البيوت، وأتى على معظمها، وخرج الضباط وعائلاتهم هاربين منزعجين، وقد داخل الارتباك والرعب نفوسهم.