تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما انتشرت أخبار تلك الوقائع الدامية أعلنت مدن المملكة وخاصة تونس وبنزرت وفريفيل وباجة وصفاس الإضراب العام، ويوم 17 يناير اجتمع الشعب آلافا في مدينة فريفيل القريبة من بنزرت، وفي الساعة الثامنة صباحا سارت مظاهرة كبرى من نادي الشعبة الدستورية إلى مقر السلطات التونسية، لتقدم لها عريضة احتجاج، وكان نظامها دقيقا يسودها ضرب من الخشوع لذكرى الشهداء ظاهر في هدوئها وسكينتها، وإذا بقوات البوليس تهاجمها بغتة وتسعى في تشتيتها بالقوة وتطلق عليها الرصاص، ويسقط المتظاهرون قتلى وجرحى يفوق عددهم الأربعين.

وخرجت مظاهرة عظيمة من منزل جميل التي تقع جنوبي بنزرت وسعت في الدخول إلى هذه المدينة التي كانت مطوقة بالقوات الفرنسية، ودارت بين الوطنيين العزل والجنود الفرنسيين المسلحين المعارك، فسقط قتيل تونسي وجرح عشرات من بينهم خمسة عشر في حالة خطيرة.

وتجددت المظاهرات في الجيهة كلها، وكان أروعها مظاهرة ماطر. (1) اعتقال الزعماء ومؤتمر الحزب

قررت السلطات الفرنسية أن تضرب ضربتها الكبرى يوم 18 يناير، وأن تسابق الحزب الذي حدد ذلك اليوم موعدا لعقد مؤتمر غير عادي لاتخاذ ما تستوجبه الحالة من قرارات، فابتدأت بأن حرمته من القاعات العامة الكبرى ووضعت أمامها حرسا مسلحا، وقد أسرعت إلى إلقاء القبض على رئيس الحزب وزعيم الشعب الحبيب بورقيبة وعلى الأستاذ المنجي سليم مدير الحزب وعلى عشرين شخصية من رجالات الحزب، فهاجمت قوات البوليس الفرنسي في الساعة الرابعة صباحا بيت الحبيب بورقيبة وأخذته من فراشه وألقت عليه القبض حالا، وكذلك فعلت مع الأستاذ المنجي سليم ونقلتهما إلى مطار «العوينة» قرب تونس ومنه إلى مكان مجهول. ووصلت الأخبار في المساء أنهما أخذا إلى طبرقة للإقامة الجبرية فيها، وهي تقع على شاطئ البحر قرب الحدود الجزائرية، أما بقية المعتقلين، فوقع إبعادهم إلى صحراء الجنوب، وأصدرت الإقامة العامة بلاغها في اليوم نفسه وجاء فيه: «إن المقيم العام عندما اتخذ هذه الإجراءات قد أوضح عزمه الراسخ على المحافظة على النظام الذي يحمل مسئوليته، وهو يريد بذلك وضع حد للأعمال الخارجة عن القانون التي تقوم بها عناصر غير مسئولة لا يمكن أن تتسامح معها في ضغطها على سلطات البلاد.»

ويظهر جليا من هذا الكلام أن «دي هونكلوك» يظن - تحت تأثير الجالية الفرنسية - أن إبعاد بورقيبة وصحبه سيخلي له الجو ويمكنه من الاستحواذ على الوزارة التونسية وجلالة الملك نفسه، ولكن الحقيقة ظهرت حالا؛ إذ كل تونسي يحمل في نفسه المبادئ الوطنية المقدسة لا يحتاج إلى تأثير خارجي ليقوم بما يفرضه عليه الواجب، ويعلم المقيم العام ومستشاروه أن اعتقال الزعماء إنما القصد منه إثارة الشعب في ذلك الجو المكفهر الملبد؛ ليتمكن من اضطهاده اضطهادا عاما شاملا، وخاصة أن يهيئ الأسباب للقيام باعتداء مسلح ضد شعب تونس رجاء القضاء على الحركة الوطنية.

إن السلطات الفرنسية منعت بالفعل عقد مؤتمر الحزب عند عدم السماح له بالاجتماع في إحدى القاعات الكبرى، ولم يكن في إمكانها منعه قانونيا؛ لأنها ألغت الحزب بقرار رسمي يوم 11 أبريل 1938، ولم تعترف به منذ ذلك التاريخ، ولكن الحزب الذي له السيطرة الواقعية على البلاد، عقد مؤتمره سرا صباح ذلك اليوم الصاخب، وقد رأسه أحد أعضاء الديوان السياسي الأستاذ الهادي شاكر، وبعد مناقشة دامت ساعتين أصدر اللائحة التالية التي وقعت الموافقة عليها بالإجماع:

لائحة المؤتمر

إن المؤتمر الوطني غير العادي للحزب الحر الدستوري التونسي المنعقد بتونس في 18 / 1 / 1952 برئاسة الهادي شاكر، بعد الاستماع إلى تقرير عن نشاط الحزب.

ونظرا لأن الحزب بعد موافقة «المجلس الملي المتسع» قد دخل في تجربة تعاون صريح مع فرنسا على أساس إلغاء الإدارة المباشرة والوصول بتونس إلى الحكم الذاتي.

تونس الثائرة · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٨٥