تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولهذه المناسبة تجمهر أمام مدخل المحكمة عدد كبير من المحاربين القدماء جاءوا للإعراب عن تعلقهم بقائد حركتهم وإظهار عطفهم عليه.

وعرضت القضية على أنظار المحكمة، وتقدم للدفاع عن المتهم الأستاذ بالاغة، فقام بمرافعة قيمة كان لها رنينها، وقررت المحكمة تأجيل التصريح بالحكم إلى يوم 18 يناير سنة 1952.

وقد أبلغ هذه النتيجة إلى الجموع المحتشدة أحد رفقائهم ودعاهم للتفرق في هدوء وسكينة، في انتظار التاريخ المذكور، وبينما كان المحتشدون يتهيئون للتفرق إذا بعصى أعوان البوليس تعمل في ظهورهم وجنوبهم عملها ويهاجمون بدون سابق إنذار، فحصل تماوج في الصفوف واضطراب لم يلبث البوليس بعده أن أخذ في إطلاق الرصاص على أولئك العزل المسالمين، وتتابع ذلك الطلق ... وتتابع سقوط الجرحى حتى بلغ 9 تتفاوت جروحهم خطورة ... وبقي ثلاثة منهم بالمستشفى لإخراج الرصاصات التي سكنت أجسامهم في أماكن حساسة.

وقد علقت جريدة الصباح على هذا الحادث بتاريخ 25 / 1 / 1952 بهذه الكلمات:

وقد أثارت هذه الحادثة الدامية الفظيعة غضبا في أوساط الشعب التونسي عامة ورأت فيها بادرة استقبال طالع بها الجانب الاستعماري السفير الجديد ... وخير برهان يقدمه هذا الجانب من جهة أخرى لهيئة الأمم المتحدة التي اتصلت بالشكوى التونسية في نفس اليوم، على صدق هذه الشكوى وتدعيمها بصورة مما يعيش عليه التونسيون.

لقد قام الجانب الفرنسي بهذه المناورة الدامية رغم تحذيرنا له من ذلك المرار العديدة ... وتساءلنا؟ هل تكون الاضطرابات في هذا الظرف من صالحه؟ ولكنه فعل!

إن الشعب التونسي ليحتج على هذه الاضطهادات والإرهاق، ويستصرخ العالم ويشهده على سياسة الحديد والنار التي يساق بها إلى الفناء.

وقد بلغ حنق الشعب وحماسه أقصاه، ولكنه تحكم في أعصابه وأطاع أوامر حزبه في المحافظة على الهدوء والسكينة، وإذا بالسلطات الفرنسية تستفزه وتثير عواطفه، فقد قصدت جماعة من الدستوريات مدينة باجة يوم 15 يناير لتأسيس شعبة نسائية بها، وإذا بقوات البوليس تهاجم مقر الاجتماع، وتلقي القبض على الزائرات كلهن، وعددهن 29 سيدة، وعلى عدد من قادة الحركة الوطنية بتلك المدينة، واحترام المرأة عند المسلمين والعرب أمر مقدس، فلم يتحمل التونسيون ذلك العدوان ورأوا فيه إهانة وتحديا لعواطفهم الوطنية والدينية، فعم الهيجان والاضطراب مدينة باجة، ومن الغد (16 يناير 1952) على الساعة الثانية والنصف بعد الظهر سارت مظاهرة شعبية هائلة تطالب بإطلاق سراح المساجين الذين اعتقلوا بالأمس، وكانت تتقدم بهدوء وسكينة، ثم تفرقت تلبية لأوامر الحزب لكي لا تتصادم مع القوات الفرنسية، ولكن تلك القوات تتبعت أفرادها وأخذت تصيدهم صيدا وتعتدي عليهم، وإذا بالجماهير تنظم مظاهرة ثانية أكثر عددا وأضبط نظاما لتقدم عريضة احتجاج إلى العامل (مدير الجهة)، ولكن القوات المسلحة الفرنسية هاجمتها من غير سابق إنذار وصادمتها صدمة عنيفة وأرادت تشتيتها بالعنف، فرمتها أولا بالقنابل المسيلة للدموع، ثم أمطرتها وابلا من الرصاص، فكان الوطنيون الذين لم يعدوا العدة لخوض معركة دامية يتساقطون عشرات، وقد مات منهم عدد وجرح أكثر من ثلاثين شخصا، وفي نفس اليوم جرت النسوة الدستوريات في مدينة بنزرت أمام المحكمة الفرنسية التي لم تجد مستندا للحكم عليهن، فأطلقت سراحهن لما رأت من غضب الشعب وفورانه؛ إذ تجمع الجماهير بمجرد أن بلغها خبر وصول النسوة إلى بنزرت، وجاء الناس أفواجا من القرى المجاورة للمدينة، وسعوا في عبور الخليج الذي يفصل المدينة عن المنطقة الشرقية على المركب المعد لذلك، ولكن القوات الفرنسية المسلحة احتلت المركب ومنعت الجماهير من ركوبه وهاجمتها حالا، وشرعت من غير سابق إنذار في رميها بنار حامية من بنادقها سريعة الطلقات، ودامت المعركة الصباح كله إلى الظهر، وبقي الاضطراب سائدا في الجهة والمناوشات مستمرة، ولم تهدأ الحالة إلا في الليل، واستشهد في الواقعة عدد من الوطنيين وجرح خمسة عشر جروحا بليغة وخمسة وأربعون جروحا خفيفة.

تونس الثائرة · الصفحة ٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٨٤