تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الآن فإنا نرى أن الوقت قد حان لإثارة الرأي العام العالمي عن المفاوضات التي تقوم بها في باريس، وعن المسئوليات التي قد تترتب عن المأزق الذي نخشى أن تنتهي إليه العلاقات التونسية الفرنسية ...

وإذا اعتبرنا أنه في ظرف السنوات الخمس الأخيرة حصلت دول جديدة تقدر بأكثر من نصف مليار نسمة على استقلالها ومن بينها الهند والباكستان وإندونيسيا علاوة على سوريا ولبنان وجارتنا ليبيا، وجب الاعتراف بأن المطالب التونسية معتدلة غاية الاعتدال.

كما أنه من البديهي أنه مهما تكن الحجج التي يتذرع بها أنصار بقاء الحالة الراهنة، فإن أية صورة من صور الحكم لا يمكن إقرارها رغم إرادة الشعوب، وليس من المغالاة في شيء بعد سبعين سنة من محاولة جس النبض أن نطالب فرنسا مهد الحريات بسياسة حرة صريحة تجاه شعب بلغ من التطور درجة لا تقل عما بلغته شعوب أخرى تتمتع اليوم بكامل سيادتها.

ومهما تكن الظروف فإن تونس لن تتخلى عن المطالبة بحقوقها، وعن الاعتصام بالضمانات التي يخولها لها الضمير العالمي والحقوق البشرية.»

وكانت في تلك الأثناء قضية مراكش تعرض على الجلسة العامة للأمم المتحدة المجتمعة إذ ذاك بباريس، وكانت فرنسا تنتظر قرارها بفارغ صبر وعلى أحر من الجمر، فلما رفضت هيئة الأمم أن تنظر أصلا في القضية المراكشية فضلا عن أن تنصف الشعب الشقيق، اطمأنت إذ ذاك الحكومة الفرنسية وتشجعت على إظهار ما أخفت من نوايا، ومالت مع المستعمرين المتطرفين كل الميل، وجارتهم في جمودهم وأطماعهم وشرهم، وأرادت أن تحتفظ لهم بامتيازاتهم المجحفة، وأن تعطي لاعتداءاتهم على السيادة التونسية صبغة قانونية، وقام أنصار الاستعمار المتطرفون من أعضاء الحكومة الفرنسية - أمثال موريس شومان - بتحرير الرد الفرنسي على مذكرة الحكومة التونسية وسلموه إليها بتاريخ 15 / 12 / 1951.

وتناسوا عند كتابته ما غنمته فرنسا من تونس سواء في الميدان الاقتصادي والمالي أو في الميدان الحربي والدفاع عن فرنسا نفسها، وأعادوا حجج المستعمرين التي يستندون إليها لسلب حرية الشعوب واغتصاب سيادتها واستثمار خيراتها إذ قالوا:

ومع البحث في الإمكانيات لتوجيه تطور الحماية في الاتجاه الذي يرجوه جلالة الباي، فإن الحكومة قد تعجبت لأول وهلة من إهمال الإشارة إلى ما أنجزته فرنسا في الحاضر والماضي من أعمال في تونس، وتعتقد فرنسا أنه يحق لها أن تفخر بالتقدم المحدث خلال سبعين سنة بفضل المساعدة الحكيمة التي قدمها رؤساء الأسرة الحسينية في بلد أنشأت فيه فرنسا الإدارة ونظمت العدالة والتعليم وحققت التقدم الاقتصادي والاجتماعي. وهذا التطور وحده هو الذي أمكن بفضله مواجهة زيادة عدد السكان الذي تضاعف ثلاث مرات منذ انتصاب الحماية.

إن هذا العمل قد تواصل في السنين الأخيرة بسرعة متزايدة، وكما تعلم الحكومة فإنه بفضل مساعدة مباشرة من فرنسا أمكن تمويل كامل الميزانية الإضافية التونسية تقريبا أي ثلث مصروفات الميزانية.

وهكذا فإن فرنسا تقوم بإنجاز برنامج واسع لتجهيز البلاد، والذي لا يمكن لتونس بدونه أن تساير أحوال تطور الاقتصاد العالمي الذي بلغ عنفوانه، والإنجازات التي تمت مثل سدود نهر «مجردة» والتي سيكون لها تأثيرها في التقدم بمشروعات الري، وكذلك أهمية المخصصات المقررة للتقدم الزراعي ونشر التعليم وحماية الصحة العامة تشهد بعظمة الجهود التي تبذلها الدولة الحامية.

ولم تذكر الحكومة الفرنسية ما تدعيه من فضل على تونس لمجرد التبجح والمن، بل قصدت أن تتخذ ما قامت به من أعمال كمبرر لها في إبقاء استعمارها، فأوضحت في الحقيقة نواياها الخفية في أن تبقى تونس تحت سيطرتها المباشرة، «إن الحكومة الفرنسية إذ تشعر بأنها تقوم برسالة مطابقة لمعاهدة الحماية في أسمى أهدافها، لا تنوي التخلي في المستقبل عن عملها الذي ترجع فائدته لمجموع سكان المملكة التونسية»، وتعني بالضبط لفائدة جاليتها الفرنسية فقط، وقد طالبت بمنح تلك الجالية الأجنبية حقوقا لا يمكن بحال أن يتمتع بمثلها الأجانب في أي بلاد كانت ولا يخولها القانون إلا للمواطنين وحدهم، لا يشاركهم فيها مشارك، وما ذلك إلا خطوة حاسمة في تنفيذ الفكرة الاستعمارية الرامية إلى إلحاق تونس بفرنسا وإدماجها فيها، فقالت الحكومة الفرنسية في مذكرة 15 / 12 / 1951: «وقد قام الفرنسيون المقيمون بتونس في هذا العمل التعديني بدور رئيسي لا يمكن أن يخطر على بال أحد نكرانه، وإن اشتراكهم بعملهم ونشاطهم في الحياة الاقتصادية بهذه البلاد، وأهمية مساهمتهم في تمويل ميزانية الدولة التونسية لا تسمح بإقصائهم عن المشاركة في تسيير شئون البلاد السياسية.

تونس الثائرة · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٧٦