تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد هذه الخطوة نحو الاشتراك في مباشرة السيادة الداخلية شاهدنا ظهور النظرية الواهية القائلة بأن: «الحماية وضع مستمر التطور»، مما أدى إلى خلط في السيادة وإلى الحكم المباشر.

فكيف يتم الإصلاح المنشود؟ وبأية طريقة تحقق تونس لنفسها ذلك الاستقلال الداخلي الذي تعهدت فرنسا بإنجازه؟ ومن البديهي أن العمل الأول الرئيسي هو إبراز السيادة التونسية وتخليصها مما اعتراها من غموض وعلق بها من خلط وأنابها من اعتداء، حتى تصفو صفاءها القديم وترجع إلى جوهرها الفرد بإدخال نظام دستوري على الدولة التونسية لا يشارك في مؤسساته غير التونسيين، وذلك ما وضحته الوزارة التونسية عندما قالت في مذكرة 31 أكتوبر آنفة الذكر: «إن الاستقلال الداخلي الذي تنوي فرنسا تحقيقه يتناقض مع النظام الحالي في ميادين التشريع والحكم والإدارة.»

إن الاستقلال الداخلي معناه أن تتمتع تونس بالسيادة الداخلية والحكم الذاتي وبحقها في السير بنظمها الداخلية وفقا لأمانيها الخاصة.

وهذا الاستقلال الداخلي الذي هو عربون الصداقة بين تونس وفرنسا يجب أن يتم إنجازه في أجل أدنى، ويجب المبادرة بتحقيقه في ثلاثة ميادين: الحكومة والتشريع والإدارة.

ففي الميدان الوزاري ثبت أنه من الضروري جعل الحكومة تونسية خالصة على أن يستعين الوزراء ورؤساء المصالح الكبرى - عند الاقتضاء - بأخصائيين فرنسيين للقيام بمهامهم أحسن قيام، وتكوين موظفين إداريين متصفين بالخبرة والمقدرة وفق المنهاج الإداري الفرنسي، وبذلك نتجنب ازدواجا فعليا في داخل الحكومة التونسية من شأنه أن يعرقل تطور الشئون العامة وسيرها، ويسيء إلى الصداقة بين تونس وفرنسا.

وفي الميدان التشريعي فإن إنشاء مجلس نيابي تونسي يضع القوانين ويراقب تصرفات الحكومة وسياستها العامة سيكون خطوة هامة في طريق الديمقراطية، على أن يكون - مدة الفترة الانتقالية - حق إعداد مشاريع القوانين مقصورا على السلطة التنفيذية مع تمتع أعضاء هذا المجلس بحق إدخال تعديلات عليها.

أما في الميدان الإداري فإنه - مع ضمان الحالة التي اكتسبها الموظفون الفرنسيون الذين هم في خدمة الدولة التونسية - يتحتم وضع نظام للوظيفة التونسية يتلاءم مع الوضع الجديد، على أن تتعهد الحكومة التونسية من جهة أخرى، بألا تتعاقد إلا مع الفرنسيين فيما يتعلق بالأخصائيين اللازمين للبلاد التونسية وبواسطة الحكومة الفرنسية.

ولم تقتصر الوزارة التونسية على إعطاء تلك الامتيازات للموظفين الفرنسيين، بل أعربت عن نواياها الحسنة نحو الجالية الفرنسية كلها التي كانت دوما تعرقل المفاوضات حتى أصبحت أعظم مشكلة في نظر فرنسا في سبيل حل القضية التونسية حلا عادلا يماشي القانون والتعهدات الفرنسية والمعاهدات نفسها ... فإرضاء لها وحسما لما يمكن أن تكونه من شغب أرادت الوزارة التونسية أن تعطيها الضمانات الكافية الكافلة لها ولحقوقها، بل سارت خطوة أوسع إذ عرضت على فرنسا عقد معاهدة صداقة جديدة فقالت: «وبعد أن تسترجع تونس سيادتها الداخلية، فإنه لا يكون لديها أي مانع من أن تعقد مع فرنسا اتفاقات للمحافظة على أمتن العلاقات بين البلدين في الميادين الثقافية والاقتصادية والاستراتيجية، كما تضمن للفرنسيين المقيمين بتونس التمتع بكامل حقوقهم المدنية وسلامة أملاكهم وأشخاصهم.»

ومرت الأيام والأسابيع والأشهر والوزارة التونسية مقيمة بباريس تنتظر رد الحكومة الفرنسية على مذكرتها، والمفاوضات معطلة، والاتصال قليل، وحامت الريب وقلق شعب تونس، وفرنسا معرضة عن كل جواب كأنها لم تتعهد بشيء لتونس، ولم تقم وزنا للأزمة التونسية، وأصبح سكوتها رفضا واضحا لمطالب تونس وتغافلا عن إرجاع حقوقها لها، وربحا للوقت ونذيرا بما يبيت الاستعمار من مؤامرات جديدة. ولما تيقن دولة محمد شنيق من أن وراء المماطلة سوء النية وخلف الصمت المفتعل نكثا للوعود الفرنسية الرسمية، أراد أن يطلع الرأي العام العالمي على موقف كل من فرنسا وتونس وأن يضع المسئولية في أعناق أصحابها فألقى بيانا في ندوة صحفية جمعها بتاريخ 12 ديسمبر 1951، واستعرض في بيانه الأطوار التي مرت بها المفاوضات كلها ثم قال: «الحكومة التونسية لزمت لحد الآن الصمت التام لكي لا تعرقل سير المحادثات.

تونس الثائرة · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٧٥