هل معنى هذا أنه سيصبح للتونسيين الحق في القيام بأعباء الوظائف العامة في بلادهم، وتحت سماء وطنهم، والواقع أن النظم الإدارية التونسية لم تبعد التونسيين عن المناصب الإدارية، ولكن الفرنسيين اغتصبوها اغتصابا وأبعدوا عنها أبناء البلاد واحتكروها لأنفسهم، وليس إرجاع الحق لأصحابه مما يتطلب قانونا جديدا خاصة وأنهم لم يحرموا منه بقانون سابق، فهل يكون الإصلاح إذن إصدار مرسوم ملكي يحدد جنسية الوظيفة العامة بتونس؛ إذ لا يمكن أن تكون غير تونسية، ويحدث لها نظاما كاملا يكون تونسيا أيضا، ذلك ما لم يتعرض له المقيم العام في خطابه.
ثم إنه تحدث عن البلديات ومنافعها عندما تصبح منتخبة فكان كلامه مجملا أيضا يكتنفه الغموض من كل جانب. «إن الحكومة الفرنسية عازمة على البحث عاجلا عن إمكانية تحقيق التطور للنظم البلدية التي تمكن السكان الذين يهمهم الأمر من المشاركة مباشرة في تسيير شئون المجتمعات المحلية لتنمية الروح القومية والحصول على تجارب في ممارسة النيابات العامة في مثل هذا الميدان تتكون الرجال.
فهم يتدربون أولا على المسئوليات في هذا النطاق الخاص، ثم يدعون بعد ذلك لاستخدام مواهبهم في نطاق أسمى، ألا وهو نطاق الشئون العامة.»
فاحترز التونسيون؛ لأنهم لم يجدوا في هذا الخطاب ما يوافق رغائبهم، ولكنهم أمسكوا أعصابهم انتظارا لتطور الحالة. أبدت الأوساط الفرنسية بتونس استياءها منه على ما فيه من ميوعة وغموض مقصود واستنجد ممثلوهم بباريس بأصحاب الفكرة الاستعمارية المتطرفة - وكثير ما هم - وقاموا جميعا بحملة عنيفة على وزير الخارجية وخاصة في مجلس الجمهورية، فاضطر «روبير شومان» للدفاع عن فكرته متقهقرا إلى الوراء، ناسيا ما صرح به في تيونفيل، ولكنه رغم تراجعه المبين أكد وجوب الإصلاحات الجوهرية وإنهاء الحكم الفرنسي المباشر بتونس، فخطب في ذلك المجلس يوم 19 يوليو 1950 قائلا:
وإنكم محقون أيضا في قولكم بأنه لا يمكن لنا أن نحتفظ إلى ما لا نهاية له بما يقوم به الفرنسيون بتونس من حكم مباشر، بل ذلك هو موضوع إصلاحاتها. ... ولكن لا يمكن أن نحرم تونس من كل إصلاح مدعين أنه ينبغي انتظار الهدوء في الأفكار؛ إذ رفض الإصلاحات نفسه سبب جديد لإحداث الحنق والاضطراب.
وينبغي لنا أيضا أن نوفق بين ما نريده من محافظة على المصالح الفرنسية وبين الرغائب الشرعية للسكان التونسيين، وستتجدد نفس المشكلة في جميع البلدان الراجعة مسئولية الحكم فيها إلينا، الآخذة في التطور وإن كان بطيئا، وقد رفعنا مستواها تدريجيا في الميادين السياسية والاجتماعية والثقافية.
وذلك هو العمل الصعب الدقيق الذي يواجه البرلمان والحكومة الفرنسية.
وأريد في الختام أن أجدد تعهدي بأنه ليس في نيتنا إهمال أية مصلحة من تلك المصالح سواء أكانت فرنسية أم تونسية، بل نرى أنه في الإمكان - وإذن من الواجب - التوفيق بينها، ولكن لا يمكن - كما قلتم - أن تبقى في الجمود الحالي، وما رفض الإصلاحات في الساعة الراهنة - بأي عذر كان - إلا الجمود بعينه في أسوأ الحالات.
فجدد هكذا وزير خارجية فرنسا وعوده - وإن كان فيها شيء من التراجع - وتعهد بصفة رسمية بإنهاء الحكم الفرنسي المباشر في تونس والقضاء على الركود والجمود بمسايرة التطور وضمان مصالح التونسيين.
وكان الرأي السائد في مجموع الشعب التونسي ألا تترك الفرصة تمر من غير أن ينتهزها لكي توضع فرنسا أمام مسئولياتها؛ فإن وفت بوعودها فإن تونس تكون قد حققت رغائبها من غير كبير عناء وإراقة دماء وإضاعة وقت، وإذا نكثت تعهداتها تكون محجوجة أمام الرأي العام العالمي وأمام الرأي العام التونسي خاصة، ولم يبق إذ ذاك في إمكان أي تونسي أن ينتقد الحزب الحر الدستوري عندما يخوض معركة التحرير، بل يصبح الشعب بأسره - المعتدل منه والمتطرف - مقتنعا اقتناعا كاملا بألا مفاهمة ممكنة مع فرنسا وأن كل مفاوضة سلمية معها آيلة إلى الفشل.