تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واتصل جلالة الملك محمد الأمين الأول بالقادة الوطنيين وأصحاب الخبرة السياسية من أبناء الشعب ليطلع على رأيهم في الموضوع ودعاهم إلى تحمل مسئولية الحكم ومنحهم ثقته وألح عليهم في أن يكونوا أعضاده ومساعديه؛ لأن مصلحة الوطن العليا تتطلب منهم ضربا جديدا من التضحية سعيا إلى إنقاذ البلاد، فينبغي ألا يبقى جلالته وحده فريدا فيما سيجري من مفاوضات مع الحكومة الفرنسية، بل من الضروري أن يتقدموا إلى الصف الأمامي، ومن الواجب الحتمي عليهم أن يكونوا لسان الشعب الناطق، والمدافعين الرسميين عن حقوقه، والمعبرين الصادقين عن رغائبه، وجلالة الملك من ورائهم يعين ويؤيد التأييد الكامل المطلق، فيكون هكذا قد نزع الأمانة من عنقه ليضعها في عنقهم.

ولما وجد منهم أذنا صاغية واقتناعا بما رسم لهم من خطة كلف دولة السيد محمد شنيق - باتفاق مع ممثل فرنسا لويس بريليه - بتشكيل الوزارة الجديدة، ثم وقع اختيار بقية أعضائها باتفاق أيضا مع المقيم العام ، فبعد مشاورات جديدة تألفت الوزارة في 17 أغسطس سنة 1950.

وكانت مهمتها كما جاء في البلاغ الرسمي الصادر في نفس ذلك اليوم: «التفاوض باسم جلالة الملك في التعديلات الأساسية التي من شأنها أن تقود البلاد في مراحل متتابعة نحو استقلالها الداخلي.» وقد أصدر المقيم العام الفرنسي نفسه ذلك البلاغ بعد مناقشة استغرقت ساعات بينه وبين أعضاء الوزارة التونسية اتفقوا أثناءها بدقة تامة على معاني كل لفظة وكل عبارة جاءت فيه.

ثم ألقى الوزير الأول في ذلك اليوم خطبة تقليده المسئولية أمام جلالة الملك في الحفلة الرسمية بين فيها بإيضاح أهداف الوزارة والمبادئ التي ستكون أساسا لعملها، فكان ذلك الخطاب دستورا لها وعهدا في عنقها، وهو يعبر في آن واحد عن الجو السياسي السائد في البلاد، ولما له من قيمة ننشره كاملا:

يا صاحب الجلالة

تتقدم الوزارة التي قلدتموها شرف مسئولية الحكم الثقيلة إلى سدتكم السامية بكامل الإجلال والتعظيم وعميق الولاء والإخلاص.

لقد شعرت جلالتكم بالمأزق السياسي الذي أصبحت فيه الإصلاحات التي أدخلت على البلاد سنة 1947، فبرهنتم بصورة واضحة جلية عن عزمكم على الخروج منه بإجراء إصلاحات جوهرية تتمشى مع التطورات العالمية وتطور شعبكم الوفي الذي لن ينسى مواقف مليكه المفدى، فأصبح من المحتم تطور العلاقات الفرنسية التونسية بإصلاح عميق لمنظمات الدولة التونسية.

يا صاحب الجلالة:

إن الوزارة التفاوضية الماثلة بين يديكم ستأخذ على عاتقها - حسب توجيه جلالتكم الثمين ومع تسييرها للشئون الإدارية - مهمة قيادة البلاد التونسية نحو استقلال داخلي يتسع نطاقه شيئا فشيئا، إجابة لرغائب أمتكم المخلصة الوفية في استرجاع السيادة التونسية بكامل حقوقها ومميزاتها والتي صرح بشرعيتها جناب وزير خارجية الحكومة الفرنسية وممثل الجمهورية الفرنسية الفخيمة.

وإن هذه المأمورية التي عهدت بها جلالتكم لوزارتكم هذه ينبغي تحقيقها على مراحل وفي أمد معقول حتى يتجلى التعاون المثمر والمبني على الثقة المتبادلة بين حكومتكم وجناب ممثل الجمهورية الفرنسية.

وستعمل هاته الوزارة معتمدة على ثقة جلالتكم الغالية وتأييد أمتكم الوفية إليها على تهيئة مشاركة شعبكم المخلص في تسيير دفة الحكم.

وسيسجل التاريخ عبرة تكليف جلالتكم لنا بقدر ما يوفقنا الله إلى إنجاز هذه الإصلاحات بما يحقق هاته الآمال.

أبقى الله جلالتكم وأيدكم بروح منه وجعلكم مفخرة العرش الحسيني الرفيع العماد.

لم تحد وزارة محمد شفيق عن الطريق التي سطرتها لنفسها، وتابعت الجهود لتحقيق مهمتها الرئيسية في قيادة البلاد التونسية نحو استقلال داخلي يتسع نطاقه شيئا فشيئا أي السعي إلى استقلال تونس بطريق التفاوض مع الحكومة الفرنسية، مظهرة إرادة فعالة في إخراج الوعود الفرنسية الرسمية من حيز الكلام والخطب إلى حيز الواقع والوجود.

تونس الثائرة · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٦٧