تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Perillier

في وظائفه الجديدة رسالة فهم تونس وقيادتها نحو ازدهار تام لثروتها وإيصالها إلى استقلالها الذي هو الهدف النهائي لجميع الأقطار المشمولة في الاتحاد الفرنسي، ولكن ضرورة فترات من الزمن وآجال تتعاقب أمر حتمي، فإن نجح هذا العمل فإن فرنسا تكون قد قامت من جديد برسالتها التمدينية خلال تاريخها الطويل.

فأحدث هذا الخطاب رجة عميقة في الأوساط الاستعمارية والأوساط الوطنية التونسية أيضا، لقد صرحت فرنسا للمرة الأولى على لسان المسئول عن سياستها بتونس أي وزير خارجيتها بأن هدفها هو استقلال تونس، وكان زعيم الحركة القومية الأستاذ الحبيب بورقيبة مقيما إذ ذاك بباريس فعلق على خطاب شومان بقوله: الآن اتفقنا تماما مع فرنسا على الأسس والمبادئ ولم يبق إلا الشروع في المفاوضة لإنجازها وتطبيقها، ولكن المستعمرين وأصحاب الامتيازات والمصالح من الفرنسيين أسرعوا إلى مهاجمة وزير الخارجية بعنف وشدة ليحبطوا أعماله وينسخوا أقواله ويجبروه على نقض ما أبرمه وإخلاف ما وعد به.

وأخذ تراجعه يظهر عند مجيء المقيم العام الجديد إلى تونس، فألقى بعد وصوله بزمن قصير بتاريخ 13 يونيو 1950 خطابا طويلا مسهبا شرح فيه ما أجمله وزير الخارجية في تصريحه بتيونفيل فبسط القول فيما تريد فرنسا إنجازه من إصلاحات وتحقيقه من تحويرات لنظام الحكم بتونس، ولمح للغايات البعيدة تلميحا لا يخلو من غموض فقال في مفتتح كلامه مبينا مهمته:

سأتحدث إليكم في هذه الليلة عن هذا التعاون وأبين لكم الإجراءات التي قررت حكومة الجمهورية تحقيقها باتفاق مع الحضرة العلية، وهذه الإجراءات هي المراحل الأولى لتطور ضروري لا بد منه.

ثم وجه القول إلى الجالية الفرنسية المتعنتة في تمسكها بالحالة الراهنة وفي معارضتها لكل إصلاح حقيقي: «وفي اعتقادي أن الجمود خطأ؛ لأن كل شيء يتطور حولنا وما دام التطور ناموسا طبيعيا فلست أرى كيف يمكن أن يخيف كائنا من كان.»

وأخيرا صرح بأن الهدف النهائي هو الاستقلال الداخلي: «ولكن من الإنصاف أن تسلك البلاد التونسية سبيلها بعد إدخال تغييرات تدريجية على منشآتها لبلوغ مرتبة الحكم الذاتي الداخلي.»

وهكذا تراجعت فرنسا في وعدها بالاستقلال قبل أن ييبس الحبر ويجف القلم الذي سطر به، وإن عادتها أن تتضاءل الوعود الكبيرة وتضيق محتوياتها كلما ازدادت من الإنجاز قربا ومن التطبيق دنوا.

وليست نية فرنسا أن تعطي تونس استقلالها الداخلي الناجز، بل ستسير فيه حسب مراحل متعددة ربما يطول أمدها وتتمطط آجالها، وستكون أولى المراحل تحوير السلطة التنفيذية وإصلاحها الجوهري إذ: «قررت الحكومة الفرنسية أن كيان حكومة تونس طبقا للنظام الذي وضع لها في عام 1947 ينبغي إدخال تعديلات عليه من شأنها تعزيز ذاتيتها وتوفير وسائل عملها وجعلها أداة رقي للمنشآت التونسية فضلا عن كونها صالحة لسير الأمور في البلاد التونسية.

والحكومة الفرنسية عازمة على أن تبرهن على صادق عزمها على جني ثمار التطور التدريجي الذي يبلغه الشعب التونسي حتى تنمو روح الوعي السياسي وتزداد كفاءة الأهلين في إدارة شئون البلاد.»

فهل ستكون السلطة التنفيذية في أيدي التونسيين؟ أم سيبقى بعضها في قبضة الفرنسيين؟ وهل ستتكون حكومة تونسية بالمعني الكامل وتصبح الوزارة لا تشمل بين أعضائها غير التونسيين؟ أم يحتفظ مجلس الوزراء بتركيبه مناصفة بين التونسيين والفرنسيين؟ لم يجب المقيم العام عن سؤال واحد من هذه الأسئلة ولم يوضح طريق حل تلك المشاكل.

وقد كان البند الثاني من مشروع الإصلاحات لا يقل غموضا عن البند الأول، وهو يقرر «إشراك النخبة التونسية في إدارة شئون بلادهم؛ فإن الحكومة الفرنسية عازمة كل العزم على أن توسع في المستقبل القريب الطريق للتونسيين القادرين على القيام بأعباء المسئوليات الفنية المطلوبة عن جدارة.»

تونس الثائرة · الصفحة ٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٦٥