تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد فهم بعض الساسة الفرنسيين أن الحزب الحر الدستوري مكن فرنسا من فرصة يعز وجودها؛ لأنه أعلن بصراحة وجرأة أنه يخير استخدام قوات الشعب التونسي ومنظماته العتيدة للتشييد والبناء لا للتخريب والتهديم، ويريد تحقيق رغائب تونس بطريق المفاهمة والمفاوضة والإقناع، وهو مقتنع بأن الاستقلال آت لا ريب فيه؛ ولذا يريد الاحتفاظ بقوات الشعب الفعالة لإقامة دولة عصرية كاملة وإحياء البلاد واستثمارها لفائدة جميع أبنائها والعمل على رقيها المادي والأدبي وتدعيم الحرية والعدالة الاجتماعية ومساواة المواطنين جميعا في الحقوق السياسية وأمام القانون.

وأصبح أمام فرنسا طريقان لا ثالث لهما: إما إرضاء الرغبات الوطنية، وإما السعي في القضاء على الحركة القومية. ولكنها لم تقدر على اختيار خطة واضحة، وبقيت مترددة مستسلمة للظروف، لا تقدم رجلا ولا تؤخر أخرى، فكانت سياستها تشبه سني المشط تعلو وتسقط، فزادت الحالة ارتباكا والمشكلة تعقيدا، واستفحلت الأزمة بتونس وتململ الشعب وحنق. وكان جلالة الملك محمد الأمين يطالب ممثلي فرنسا بإنجاز ما وعدوا به، وتحقيق ما تعهدوا به، فلما رأى تقاعسهم واضطراب كلامهم كاتب رأسا رئيس الجمهورية الفرنسية ليضع فرنسا أمام مسئوليتها ويطلعها على الخطر الداهم ووجوب تداركه قبل فوات الأوان، وتعد هذه الرسالة المؤرخة في 11 أبريل 1950 مرحلة تاريخية في العلاقات بين تونس وفرنسا، يقول فيها:

صديقي العزيز

اعتبرنا قوانين التطور البشري الذي لا يمكن أن يتجاهلها الإنسان من غير أن يثير أزمات، ينبغي تجنبها بأي ثمن كان والاحتياط لها قبل وقوعها، فرأينا من واجبنا المقدس نحو رعايانا المخلصين أن نكلف ممثل فرنسا لدينا أثناء حفلات رسمية وفي مرتين اثنتين، بأن يحيطكم علما برغبتنا الملحة في تحقيق إصلاحات جوهرية لإيجاد حل مرض لجميع المشاكل المتولدة من النظام الحالي الذي يسود تونسنا العزيزة الآن في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وإن شعبنا الذي يخضع لتيار التطور والتقدم المشترك بين الشعوب، قد برهن أيضا بصفة محسوسة عن نيته في أن يكون لجانب شعب فرنسا النبيل أثناء الحربين الكبيرتين لكي يساهم في انتصار الحق وتمكين مبادئ السلم والوفاق والكرامة والرفاهية للجميع.

وتلك هي الغايات السامية التي يصبو إليها شعبنا الشاعر شعورا كاملا بحقوقه وواجباته.

وحيث لم يأت رد إلى هذه الساعة على ما قدمناه مرتين، وخشية أن ينقلب الضجر الذي ظهرت بوادره في شعبنا يأسا يكون سببا في إحداث ما نريد تجنبه، أسرعنا إلى مخاطبة معاليكم رأسا.

وإن يقيننا لوطيد في أنكم ستتفضلون بإعارة كامل اهتمامكم لهذه المشكلة الخطيرة، لإيجاد حل لها تفرضه الحالة العالمية وتمليه ما بين بلادينا من صداقة صادقة وثقة متبادلة.

وكان لتلك الرسالة مفعولها الحاسم في اتجاه السياسة الفرنسية؛ إذ كلفت الحكومة الفرنسية ممثلها بتونس جان مونص بدرس مشروع إصلاحات جوهرية وبتهيئة الجو اللازم لها، ولكن الجالية الفرنسية شنت حملات شديدة بمجرد ما شعرت باتجاهه الجديد، وضيقت عليها الخناق، وهاجمته مهاجمة لا رحمة فيها ولا هوادة، وحاكت له بباريس مؤامرة ذهب ضحيتها، فعوضته الحكومة الفرنسية إذ ذاك بمقيم عام آخر «بريليه» مهمته تطبيق ما وضعه «مونص» من مشروعات. وذهب وزير الخارجية «روبرت شومان» بنفسه للاحتفاء به في منصبه القديم كمتصرف أعلى لمقاطعات شرق فرنسا، وألقى خطابا بمدينة «تيون فيل» صرح فيه بأن الهدف النهائي للسياسة الفرنسية في تونس هو تحقيق استقلالها، فقال حسب ما نشرته الصحف الفرنسية بتونس، وخاصة «لابريس» و«البتي متان»، بتاريخ 11 يونيو 1950:

في هذا المساء الذي يقوم فيه مسيو بريليه بآخر عمل بصفته متصرفا أعلى عندما استقبل أعضاء البرلمان، يمكننا أن نقول له إن اعترافنا بالجميل لعظيم، وأريد أيضا أن أعبر عن كبير تقديرنا لمن يسعى في إدراك مقاصدنا فيفهمها فهما صحيحا؛ إذ ذلك الفهم سر الاتحاد الفرنسي، وستكون للمسيو بريليه

تونس الثائرة · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٦٤