نحن لا نريد قطع العلاقات مع فرنسا، بل نسعى لتبديلها تبديلا يتمشى مع تطور تونس والعالم لنضمن لها البقاء. إن الروابط بيننا وبينكم كانت وما زالت روابط الغالب مع المغلوب والسيد مع المسود والمولى مع عبده، وقد بلغ شعب تونس من الرقي والوعي القومي درجة جعلته أهلا ليتصرف في شئونه قادرا على تسيير أموره والتحكم في مصيره، وأصبح لا يتحمل الحكم الفرنسي المباشر ولا الاستعمار مهما يكن نوعه، وهو يعلم علم اليقين أنه سيحقق استقلاله وسيتحرر كما تحررت الشعوب الشرقية كلها تقريبا، ولكنه يخير أن يبلغ غايته باتفاق وتعاون مع فرنسا، فتعوض الروابط البغيضة الحالية بروابط بين شعبين مستقلين، وندين متساويين، ودولتين صديقتين، خاصة ونحن نعتقد أن مصالح فرنسا العليا ومصالح تونس لا تتعارضان ولا تتناقضان، بل يمكن التنسيق بينهما والمحافظة عليهما جميعا، والشعب التونسي مستعد ليقدم من الضمانات الكافية ما يكفل المصالح المشروعة لفرنسا والفرنسيين ما لم تتصادم مع حرية تونس.
إن تونس تحتاج إلى رءوس أموال لاستثمار ثروتها وبناء هيكلها الاقتصادي، وإلى فنيين وأخصائيين، فلماذا لا نستعين في ذلك كله بفرنسا والفرنسيين ، إذا ما وصلنا إلى التفاهم والاتفاق؟! فيحل الود محل التنافر، والصداقة محل الخصومة والبغضاء، وتصفو القلوب، ونكون هكذا جوا صالحا للعمل المثمر والرقي والازدهار.
ولا ننكر أن هذه التجربة العظيمة تتطلب الجرأة من المسئولين الفرنسيين، والتجديد في التفكير السياسي؛ لما فيها من اتجاه لم يسبق له نظير في علاقات فرنسا بالشعوب التابعة لها، وأن نجاحها يعبد الطريق ويفتح أبوابا للمستقبل؛ لأنه يدل على أن فرنسا وجدت الحل الواقعي لأكثر المشاكل التي تجابهها في البلدان الخاضعة لسلطانها.
ثم عرض الحبيب بورقيبة على الرأي العام الفرنسي حلا عمليا للمشكلة التونسية طبق برنامج يحتوي على بنود سبعة، ترمي إلى إنهاء الحكم الفرنسي المباشر وتسليم النفوذ والسلطات إلى أيدي التونسيين: (1)
إرجاع السيادة التونسية. (2)
تشكيل حكومة تونسية من التونسيين فقط يسيرها وزير أول تونسي يعينه الباي. (3)
إلغاء منصب الكاتب العام للحكومة التونسية. (4)
إلغاء مناصب المراقبين المدنيين الفرنسيين. (5)
إلغاء الدرك الوطني الفرنسي. (6)
تشكيل هيئات بلدية تكون المصالح الفرنسية ممثلة فيها. (7)
تشكيل مجلس وطني منتخب انتخابا عاما مكلف بإعداد دستور يحدد العلاقات التي ينبغي أن تكون في المستقبل بين تونس وفرنسا، والتي يجب أن تقام على احترام متبادل للمصالح المشروعة للبلدين.
وكان لأقوال الحبيب بورقيبة تأثير عميق في جميع الأوساط الفرنسية؛ لأنه أجبرهم على التفكير الجدي في حل مشكلة تونس وبقية المشاكل الاستعمارية، وعلى السعي في الخروج من سياسة فرنسا التقليدية، واقتنع بعض المسئولين في الحكومة الفرنسية نفسها بوجوب هذه التجربة، فوجدت فرنسا نفسها أمام قوتين متناقضتين: قوة الشعب التونسي المنظم الصفوف المتوحد الكلمة العازم على نيل حقوقه، وقوة الجالية الفرنسية المتشعبة بالروح الاستعمارية المتمسكة بامتيازاتها الفاحشة التي بقبضتها حياة البلاد كلها، ومقاليد الأمور بأجمعها، لا تريد التنازل لأصحاب البلاد عن أي نفوذ، ولا أي جزء منه، والتي تخشى كل تبديل وتمقت كل تغيير وتخاف كل تطور، بل غايتها الوحيدة هي المحافظة على الوضع الراهن؛ لأنه يمكنها من الاستيلاء والإثراء ولا يكلفها عناء ولا تضحية، فهل تتمكن الحكومة الفرنسية من التوفيق بين هاتين القوتين؟ وهل تقدر على إقناع جاليتها المحفوظة بأن عصر التفوق العنصري والاستعمار والاستعباد واستثمار جهود الغير وبلادهم قد انقضى وفات؟ وهل يمكن للجمهورية الفرنسية أن تكون حكما عادلا في تلك القضية؟ وهل في استطاعتها أن تبدل نفسية الفرنسيين وما جبلوا عليه من المحافظة على جميع ما لديهم من مال وامتيازات كاملة، ولو جرهم ذلك إلى الهاوية فيفقدون كل شيء؛ لأنهم لا يريدون التنازل عن بعض الشيء.