تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ودخلت جزيرة مدغشقر في الوحدة الفرنسية فقتل من أبنائها مائة ألف أو يزيد؛ ليعلموا علم اليقين أن طعم الحرية محرم على غير الفرنسيين في الوحدة الفرنسية.

وشاركت فيها أيضا بلاد فيتنام (الهند الصينية)، وإذا بفرنسا تنكث ما تعهدت به إليهم وتشنها عليهم حربا ضروسا لا تبقي ولا تذر، تريد إخضاعهم من جديد لسيطرتها الاستعمارية، فصبروا وثبتوا، وما زالوا يقاسون منذ سبعة أعوام تلك الحرب الطاحنة.

فمن البديهي إذن أن ترفض تونس رفضا باتا نهائيا الانضمام إلى تلك الوحدة، وإذا بالمقيم العام الفرنسي يبرق ويرعد، وينسى وعوده الخلابة، ويناقض كلامه المعسول، ويصدر أوامره بمحاصرة قصر الملك المعظم محمد الأمين الأول، ويسير إليه مخفورا بالجنود المدججين بالسلاح متوعدا مهددا طالبا منه باسم الحكومة الفرنسية أن يكذب ما نشر من تصريحات على صفحات الجرائد الوطنية فيما يتعلق برفض جلالته للوحدة الفرنسية، فأجابه جلالة الملك بهدوئه المعهود وحكمته وبيانه الواضح: «كيف أكذب قادة الشعب وقد كانوا أمناء فيما نقلوه عني؛ لم يغيروا الكلم عن مواضعه ولا زادوا حرفا واحدا إلى ما قلته لهم، بل كانوا واسطة خير وصدق، وهذا هو موقفي لن أغيره أبدا.»

وكانت فرنسا تقوم بدعاية واسعة النطاق في صحفها وإذاعتها، وفي محادثات ساستها مع التونسيين وخطب المسئولين من رجالها؛ لتهيئ الجو السانح لإدماج تونس في الوحدة الفرنسية. وكان بعض وزرائها يصرحون من حين إلى حين بأن تونس قد أدمجت فعلا، ويستخدم آخرون طرقا منعرجة ملتوية لإقناع جلالة الملك بوجوب قطع تلك الخطوة الضرورية على دعواهم. ولكن رد الفعل من طرف الشعب التونسي ومليكه كان يشتد ويقوى، إلى أن يئست فرنسا تقريبا من تطبيق تلك الفكرة.

وكانت دعايتهم تعتمد على الإغراء وإحياء الآمال الجسام، فيذيعون بأن تونس تحصل على جميع رغباتها الوطنية لو انضمت إلى تلك الوحدة، من دستور ديمقراطي وحرية واستقلال، وأنها تحرم نفسها من تلك النعم كلها برفضها البات.

والأغرب أن قسما من الرأي العام الفرنسي اعتقد ذلك؛ لأن الحرب العالمية الثانية أحدثت في فرنسا تيارات سياسية جديدة وقوت بعض التيارات القديمة، كما أدخلت اضطرابات على التقاليد القديمة وقوضت الكثير منها، فشهد ساسة فرنسا أن الاستعمار أصبح مبغوضا ممقوتا في العالم بأسره، وأنه عار وشين ووصمة في جبين الأمم الراقية والدول الكبرى، فلم يسعوا إلى غسل هذا العار، ولا إلى محو هذه الوصمة، بل اقتصروا على إسدال ستار شفاف عليها، واقتنعوا بتغيير بعض الأسماء واحتفظوا بالمسميات، فعوضوا لفظة الإمبراطورية الفرنسية بلفظة الاتحاد الفرنسي، وبدلوا كلمة حماية ومستعمرة بكلمة دول مشاركة، ووضعوا في دستور فرنسا نفسه بنودا تعطي حقوقا واسعة للأقطار التابعة لها، ولكنهم حرفوا تلك البنود وشوهوها عند التطبيق واستمروا في سياستهم التقليدية، وكانت الحالة العامة بفرنسا وميل بعض الأحزاب الفرنسية إلى تفهم الوضع بتونس، مما شجع قادة الحزب على الاتصال رأسا بالشعب الفرنسي والقيام بدعاية واسعة عميقة بفرنسا؛ لكسب عواطف قسم من الفرنسيين على الأقل، ولإقناع المسئولين بوجوب توجيه جديد لسياستهم بتونس.

وكلف بتلك المهمة الشاقة زعيم تونس ورئيس الحزب الحر الدستوري ومؤسسه الأستاذ الحبيب بورقيبة، فبعد رحلة إلى الشرق والغرب استغرقت أعواما، وبعد أن اتصل بالشعب التونسي في اجتماعات عامة عقدها في جميع أنحاء القطر، سافر إلى باريس في أوائل عام 1950، وكان يعمل ليلا ونهارا متصلا بالصحافة والأحزاب والهيئات الرسمية والمنظمات والشخصيات ورجال الحكومة، وكان لتصريحاته المتوالية صدى عميق وانتشار واسع في جميع الصحافة الفرنسية التي أخذت تدرس المشكلة التونسية درسا مستفيضا؛ تستقي من آرائه تارة وتنقدها تارة أخرى، وتعلق التعليقات المفيدة الدقيقة على تلك الأفكار الجديدة الناضجة، فما هو منطق الحبيب بورقيبة؟ وما سر سحره وسبب نجاحه في إبلاغ رسالته؟ تتلخص أقواله للفرنسيين في بعض المسائل الجوهرية.

تونس الثائرة · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٦٢