تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كانت الدبلوماسية الأمريكية مهتمة بحماية مصالح دول أوروبا الاستعمارية، فما علينا إلا تغيير موقفنا كدولة عالمية وإعادة النظر فيما يتعلق بمصالحنا والسير طبق سياسة خارجية مختلفة تمام الاختلاف عن السياسة التي نسير عليها.

وإن أمريكا وإن لم تؤيد في أول أمرها تسجيل القضية التونسية في جدول أعمال الجلسة العامة لهيئة الأمم المنعقدة بباريس عام 1951-1952 ولا مناقشتها في مجلس الأمن بنيويورك، إلا أنها نصحت فرنسا المرة تلو المرة بوجوب تغيير سياستها بتونس والبر بوعودها لها. ولما رأت تعنت فرنسا سلمت لحكومتها مذكرة رسمية تطالبها بذلك، فقامت قيامة فرنسا إذ ذاك، واجتمع مجلس وزرائها بعد أن رفض «بيني» قبول تلك المذكرة أصلا، ونشر بلاغا باسم الحكومة الفرنسية في 6 / 10 / 1952 جاء فيه: «تقرر أننا لن نقبل أي تدخل في المسائل التي هي في جوهرها من اختصاص السيادة الفرنسية.»

وتوترت العلاقات بين الولايات المتحدة وفرنسا؛ إذ علم كل واحد أن الحكومة الفرنسية تقصد بالتدخل الأجنبي تدخل أمريكا نفسها، ويعتبر الرأي العام الفرنسي كل مناقشة لقضية تونس في هيئة الأمم إنما تقع بإرادة أمريكا أيضا.

فبدلا من أن تنظر فرنسا إلى الحقيقة وتعترف بالواقع وتغير سلوكها فتجلب لنفسها العطف والتقدير، ألصقت التهم بغيرها ظنا منها أن تعنتها وتمسكها باستعمارها ووقوفها لأجله ضد العدو والصديق والخصم والحليف، سيضمن لها بقاء إمبراطوريتها كما هي. فإذا بالرأي العام العالمي ينقلب ضدها في هذه القضية ويعرفها بالحقائق المرة التي أرادت تجاهلها.

وإننا نختار من بين مئات المقالات التي كتبت في هذا الصدد في أمريكا الجنوبية وألمانيا والنمسا وسويسرا وإيطاليا وبلجيكا والدانيمرك والنرويج والسويد كلمة نشرها الكاتب السويدي الحر جونار مولليرن

Gunnar mullern

في جريدة أفطون بلادت الصادرة باستكهولم بتاريخ 1 / 4 / 52 قال:

مسكين مسيو بيني! الرئيس المؤقت للحكومة الفرنسية الممثل لفرنسا الضعيفة الهرمة البعيدة عن كل بعث وازدهار، ولقد أصبحت فرنسا المثال الأول لما للترميم من عيوب مضحكة وعجز.

وإن فرنسا - كبريطانيا العظمى - عرضة لأزمة التناقص، ولكننا بينما نرى الإنجليز يتبعون سياسة رشيدة يكذبون بها «سالوست» المؤرخ الروماني الذي يقول إن المحافظة على الإمبراطورية لا تكون إلا بالطرق التي كونتها، ويقيمون الدليل على أنه يمكن أن تقام الإمبراطورية على أساس المحبة المتبادلة واحترام التقاليد المتغايرة؛ نرى الفرنسيين يتبعون بتونس سياسة مبناها العنف كأن فرنسا ما زالت دولة قوية عسكريا واقتصاديا وأدبيا.

وبما أن أساس أعمالها هو الظلم، فمن الصعب أن نظن أن الخاتمة ستكون لمصلحتها، وأن الفرنسيين يكونون على جانب من الذكاء لو أنهم قلدوا الإنجليز المتيقظين، لكي يجدوا حلا للنزاع القائم مع المكافحين لتحرير تونس.

ومن الغريب أن الفرنسيين الذين أظهروا تفانيهم في حب الحرية مدة الاحتلال الألماني لبلادهم، هم نفس الفرنسيين الذين لا يحترمون ذلك الحب عند غيرهم.

ولو أن فرنسا تصل إلى فرض شروطها باستخدام جنود «اللفيف الأجنبي»، ولو أنها ترمي في المعركة بجميع القوات التي لديها فتقهر مؤقتا المقاومة الوطنية التونسية؛ فإن ذلك الحل لا يكون إلا إلى حين، لأن ما يقع اليوم في تونس ليس بالأمر الخاص بها فحسب، بل هو أمر يشبه نشوب الحريق في مزرعة حبوب، وأن اللهيب سيلتهم لا محالة جميع ما اسمه إمبراطورية استعمارية أو نصف استعمارية.

عبثا تحاول فرنسا تعطيل سير البشرية، فالقوات الطبيعية لا ترد ونواميس الكون لا تغلب، وتونس تسير مع البشرية في تطورها؛ ولذا رأينا قضيتها تتقدم في الميدان العالمي بخطى ثابتة وتعزز في كل يوم بقوات جديدة.

تونس الثائرة · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٦