تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهل يمكن أن تقف موجة الحرية التي اكتسحت العالم عند حدود تونس؟ أم توهم الفرنسيون أن هذا التيار البشري الجبار سيتعطل أمام ما وضعوه من سدود وضربوه من حصار شديد حول المغرب العربي خاصة وبقية الإمبراطورية الفرنسية عامة؟

أولم يعلموا أن النطاق الحديدي الذي أرادوا به عزل تونس عن بقية الدنيا لا يمكن أن يوقف حركة شعب ونهضة أمة أرادت إرادة فعالة أن تحيا من جديد حياة العزة والكرامة، بل لم يزدها ذلك النطاق المفروض إلا شوقا إلى الاتصال بالشعوب الشقيقة وإلى الخروج إلى الهواء الطلق الحر، فخرق التونسيون الوطنيون السد الفرنسي المنيع من كل جهة، وخرجوا بقضيتهم إلى الميدان العالمي، ووجدوا جميع تلك القوات الفتية المعادية للاستعمار تناصرهم وتشد أزرهم، فقد أصبحت تلك الدول الجديدة تشارك مشاركة حقيقية في سياسة العالم. وينبغي هنا ألا ننسى أن عددا وافرا من شعوب الدنيا قد ذاق في السابق مرارة الاستعمار، وبقيت آثارها في فمه إلى يوم الناس هذا؛ ولذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية ودول أمريكا الجنوبية (الأرجنتين، والبرازيل، والشيلي، وبوليفيا وغيرها ...) تبغض الاستعمار طبيعة وجبلة؛ ولذا كان من المتوقع أن تقف تلك الدول التي حصلت على استقلالها في القرن الماضي أو في أوائل هذا القرن لجانب الدول الآسيوية الأفريقية التي رفعت لواء مكافحة الاستعمار. فلا غرابة إذن في أن تجد تونس أعظم قوات العالم - الأدبية والمادية - تعطف عليها وتميل إلى مساعدتها على التخلص من ذلك الاستعمار البغيض، فأصبحت المعركة في كنهها بين الماضي والمستقبل، ففرنسا وقواها تسعى للمحافظة على النظام القديم البالي، وتسعى تونس وأنصارها إلى تحقيق نظام أساسه العدل والحرية والمساواة بين الأمم الصغيرة والكبيرة يضمن للبشرية سلامتها ورفاهيتها، ولا يكون الانتصار إلا للمستقبل.

وقد دهشت فرنسا لأنها تعيش في برجها العاجي فيما يتعلق بالاستعمار، عندما رأت الكتلة الآسيوية الأفريقية تتكون للدفاع عن تونس، وزادت دهشتها لما سجلت القضية التونسية في جدول أعمال هيئة الأمم، وأخيرا لم تحر جوابا، فانسحبت من الجلسة العامة التي أثيرت فيها القضية، ولم تحتمل أن تجلس على كرسي الاتهام، ولفرط استغرابها وبعدها عن الواقع العالمي المحسوس قررت حكومتها عدم الاعتراف بهيئة الأمم في هذه القضية وكأنها نسيت - أو تناست - أنها وقعت ميثاق هيئة الأمم، وأن عملها هو تهديم لتلك المنظمة العالمية. وقد أصرت على موقفها حتى رأينا رئيس وزرائها «بيني» يصرح في «كواليس» مجلس النواب الفرنسي «أن فرنسا لن تقيم وزنا لأي قرار تتخذه الأمم المتحدة في القضية التونسية»، و«أن فرنسا سترفض رفضا باتا السماح بالدخول إلى تونس لأي لجنة تعينها هيئة الأمم» (أكتوبر 1952).

ورأينا أيضا فرنسا تثور وتبرق وترعد ضد كل دولة وكل شعب نصحها بحل الأزمة التونسية حلا عادلا، فكانت صحفها تشن الحملات المسمومة ضد شعوب آسيا وأفريقيا وتشكو باكية من موقف الرأي العام الأمريكي من استعمارها؛ لأن القسم الأكبر من الصحف والمجلات الأمريكية كانت واقفة بجانب تونس تدافع عن الحق والعدل، وقد طالبت بعضها الحكومة الأمريكية ألا تخون الحرية وألا تعزز الاستعمار في العالم، فنشرت مثلا جريدة «وشنجطن بوست» المعروفة بتأييدها للسياسة الخارجية الأمريكية مقالا افتتاحيا في 2 / 4 / 1952 قالت فيه:

إن قرار الحكومة الأمريكية الخاص بالامتناع عن التصويت عند نظر شكوى تونس ضد فرنسا في مجلس الأمن قرار يدل على الجبن، وإن الدبلوماسية الأمريكية تلقت الصفعة التي تستحقها من يد مندوب الباكستان، إن اشتراك الولايات المتحدة في منظمة حلف شمال الأطلنطي يجب ألا يكبل حريتنا في ميدان الشئون الخارجية.

تونس الثائرة · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٥