تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورأينا أخيرا هيئة الأمم تبحث المشكلة التونسية في جمعيتها العامة بنيويورك (ديسمبر1952) وتتخذ في شأنها قرارا، فتجزم هكذا خلافا للرأي الفرنسي أن من اختصاصها النظر في المشكلة التونسية ومن حقها إصدار القرارات في شأنها واتخاذ الوسائل اللازمة لحلها. (3) المشكلة التونسية في الميدان الفرنسي

إن المشكلة التونسية احتلت مكانا ممتازا في سياسة حكومات فرنسا المتوالية ولدى الرأي العام الفرنسي وفي مناقشات البرلمان، وانكب عدد وافر من ساسة فرنسا ومفكريها بالبحث والتحليل على السياسة الفرنسية بتونس، فرأوها غامضة مبهمة المعالم مضطربة في سيرها متناقضة في أهدافها، حتى قال فيها «ميتران» ص86:

إن ضروريات الحرب في الشرق تفرض علينا متناقضات عجيبة. إننا نطالب بالمساعدة الأمريكية في الهند الصينية، ولكننا نحتج على تدخل الولايات المتحدة في شمال أفريقيا. إننا نخدم بكل حماسة القضية الوطنية الفيتنامية، ولكننا نبعث ب «بورقيبة» إلى المنفى. إننا نتوجه إلى هيئة الأمم لو تحركت الصين، ولكننا نزعم عدم اختصاص الهيئة في قضيتي مراكش وتونس. إن السياسة ليست هي المنطق، بيد أن الوحدة الفرنسية لن تتحمل مثل هذه المتناقضات البالغة.

وكأن ساسة فرنسا لم يفطنوا بعد أن ذلك التناقض الذي سيفضي بالإمبراطورية الفرنسية إلى التفكك والانهيار، ناتج عن الصدمات العنيفة والتيارات الجارفة التي تتلقاها من الداخل والخارج، وهو ناتج عن تمسك فرنسا بسياسة استعمارية تقليدية لم ترد تبديلها، قائمة على مبدأ أن: «الاحتلال العسكري لبلاد مستعمرة يجد مبررا له في أهمية الغنائم» التي يجنيها منها.

وللاستعمار الفرنسي بتونس دعامتان: الاحتلال العسكري ومعاهدة «باردو» الناتجة عنه. ولذا نرى جميع الساسة الفرنسيين من ذوي المسئولية وجميع الحكومات تتمسك دوما بذلك الاحتلال وبتلك المعاهدة؛ أي تتمسك بكنه الاستعمار وجوهره حتى لا تفلت تونس من براثن فرنسا. وعندما يتكلمون عن الاستقلال الداخلي، فسرعان ما يحترزون ويقولون: «ضمن معاهدة باردو»، وهذا «ميتران» الداعي إلى وجوب إرضاء التونسيين يقول:

يبدو واضحا أن معاهدة باردو إذ تركت لفرنسا ميدانا خاصا مع احترام الاستقلال الداخلي للبلاد التونسية، قد وضعت بذلك قواعد قوية لإقامة نظام فيدرالي، يكون العقبة الوحيدة دون الانتشار العظيم الذي تلقاه الأماني الاستقلالية.

ثم يضيف إلى ذلك:

كان يجب التمسك باحترام معاهدة باردو وما ترتب عليها من نتائج دبلوماسية وعسكرية.

أما الاستعماريون المتطرفون وخصوصا ممثلو الجالية الفرنسية بالمغرب العربي ومن يساعدهم من علماء القانون الذين اشتهرت فرنسا بهم، كالأستاذ لويس ميلو

Louis Millot ؛ فينكرون إنكارا باتا تاما وجود سيادة تونسية، كما صرح به الجنرال أومران

Aumeran

نائب المستعمرين الفرنسيين بالجزائر في البرلمان الفرنسي في جلسة يوم 5 / 6 / 1952 قائلا:

ولم توجد أبدا سيادة تونسية لا في الواقع ولا شرعا ولا عقلا.

منطق عجيب لا يفهمه إلا المستعمرون، فكيف تعاقدت إذن تونس مع فرنسا ومع غير فرنسا قبل الحماية وبعدها بمعاهدات متعددة متنوعة؟ نعم يجيب الساسة الفرنسيون على ذلك أن فرنسا لم تتعاقد قط مع تونس، بل تعاقدت مع باي تونس فقط - وهو صاحب المملكة - وقد تنازل عن بعض اختصاصاته للدولة الحامية، فيبدلون الواقع المحسوس ويخترعون الأباطيل، ويتلاعبون بالألفاظ ليبقوا أحرارا في استثمار البلاد والتحكم في مصيرها، معتمدين في الحقيقة على القوة المجردة وحدها.

ولما ارتفعت الأصوات في العالم بنقدهم والتشهير بهم، أجابوا الحكومات الأجنبية والرأي العام العالمي بما أجابوا به من قبل التونسيين أنفسهم، وأرادوا أن يحتجوا بما كونوه في البلاد التونسية لوجوب بقائهم بها، وأخذوا يعددون ما عبدوه من طرق ومدوه من سكك حديدية، وما أنشئوه من أدوات عصرية، وما شيدوه من مدارس ومعاهد للعلم، وما أحدثوه من مستشفيات ومستوصفات، وما استخرجوه من مناجم ومعادن، حتى انقلبت ضجتهم ضدهم وقال لهم السيد ظفر الله خان وزير خارجية باكستان في هيئة الأمم:

تونس الثائرة · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٧