تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أحدث المقيم العام أثر إصلاحات 8 فبراير 1951 - من غير مصادقة الباي ولا اطلاع الحكومة التونسية - إدارة الأمور السياسية والإدارية التي أصبحت تشرف في الواقع على جميع الهيكل الإداري التونسي.

ومن أعجب المهازل الاستعمارية أن المقيم العام هو الذي يتوج الملك مباشرة، ويجلسه على عرش آبائه وأجداده؛ ليوهمه أن فرنسا هي صاحبة الحق في أن تبوئ من تشاء على عرش تونس. وقد احتج على هذا الإجراء المغفور له الهادي باي عندما فاجأه المقيم العام لأول مرة بهذا الاعتداء.

وفصلت فرنسا مناطق الجنوب التي تقدر بثلث القطر التونسي عن بقية الوطن ووضعتها تحت الحكم العسكري المباشر، وبتصرف ضباط فرنسيين تابعين لقائد الاحتلال، وأناطت إدارتها بالمقيم العام.

وينوب عن المقيم العام في المناطق الجهوية المختلفة والمقاطعات الترابية التونسية المراقبون المدنيون، وقد كانت مهمة هؤلاء الموظفين الفرنسيين في أول الأمر تقتصر على رقابة العمال التونسيين (المتصرفين) والتأشير على مكاتباتهم، وبصفتهم رجال الرقابة الفرنسية يخضعون في أنظمتهم إلى نصوص قانونية فرنسية، ويتلقون تعليماتهم من المقيم العام، وأصبحوا طبق مشمولات وظيفتهم أصحاب الإدارة الحقيقية في النطاق المحلي. وبعد أن كانوا مراقبين للعمال فقط صاروا مستشارين لديهم، ثم عوضوهم شيئا فشيئا في القيام بمسئولياتهم، وبات النفوذ كله بأيديهم؛ كلمتهم لا ترد وسلطتهم في الواقع لا تحد وكأنهم ملوك الطوائف في سيطرتهم، وتحكمهم لا يطاق؛ خصوصا وأن البوليس لهم والجيش تحت تصرفهم.

وإن الأمر العلي (المرسوم الملكي) المؤرخ في أبريل 1938 قد مكن المقيم العام من سلطان قوي واسع له بمقتضاه أن يقرر وضع حالة الحصار في أية جهة من القطر وفي أي زمان شاء، وله أن يطبق قراره فيمكن له إذ ذاك أن يتخذ ما يراه صالحا من طرق الاضطهاد من استخدام القوة المسلحة ومن إلقاء القبض على من يريد، وسجن من يريد، ومن تفتيش المحال العامة والخاصة سواء في النهار أو في الليل، ومن إحالة التونسيين إلى المحاكم العسكرية الفرنسية حيث يحاكمون طبق المجلة الجنائية الفرنسية. بينما النظام العدلي المادي المطبق على التونسيين مستمد من مجلة جنائية تونسية أصدرها ملك البلاد. (4) الهيئات النيابية

ليس لتونس هيئات نيابية سياسية، وإن تونس تعيش منذ 15 مايو 1951 من غير مجالس نيابية أصلا، وكانت المجالس النيابية لغاية ذلك التاريخ (المجلس الشوري من 1907 إلى 1922، والمجلس الكبير من 1922 إلى 1951) هيئات استشارية ذات اختصاص محدود لا يتعدى النظر في الميزانية.

وقد تكونت أيضا غرف استشارية ذات اختصاص فني فقط تمثل المصالح الاقتصادية (كالغرف التجارية والغرف الفلاحية وغرفة المناجم وغيرها).

وقد تأسست أخيرا بلديات منتخبة في مدن القطر التونسي، ولم يعترف شعب تونس بها؛ لأن الفرنسيين ممثلون بها مع أنهم أجانب.

ولكن هذه المؤسسات كلها فاسدة من أصلها؛ لأن اختيار أعضائها مقام على قاعدة منافية للديموقراطية، ولأن اختصاصها ضيق هزيل، فتونس محرومة من هيئة نيابية مؤسسة على دستور يسمح لها أن تأخذ مسئوليتها البرلمانية التي أصبحت ضرورة حتمية في كل دولة عصرية. (5) المجلس الكبير

وهو مجلس استشاري مركب من قسمين:

القسم التونسي:

يتكون من 53 عضوا يمثلون ثلاثة ملايين ونصف مليون من التونسيين، ينتخبون من الدرجة الثانية من طرف نواب لا يشارك في اختيارهم إلا عدد ضئيل من السكان. وإن الإدارة الفرنسية تحتاط في اصطفاء الناخبين والمنتخبين لكي تبعد كل مرشح لا يروقها.

أما القسم الفرنسي:

فهو يتركب من 53 عضوا يمثلون 150 ألف فرنسي، وانتخابهم عام سنوي.

ويستشار المجلس الكبير في النصوص الرسمية المتعلقة بالأمور المالية والاقتصادية والاجتماعية، ولكن آراءه واقتراحاته لا تفيد الحكومة في شيء، ويمكن له أن يقدم ببعض التوصيات لتبديل المراسيم المعمول بها، ولكن كل مناقشة حول المواضيع السياسية والدستورية محجرة عليه تحجيرا باتا (البند 40 من مرسوم 15 ديسمبر 1945)، وكذلك يخرج عن اختصاصه النظر في مصروفات الإقامة العامة والمحاكم الفرنسية والأمن العام.

تونس الثائرة · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٥٩