وهو دائما موظف تونسي يسميه الباي، وهو يتصرف في قسم كبير جدا من الميزانية التونسية، من غير أن يعقب أي تونسي أعماله. (ه) مدير التعليم العمومي
وهو أيضا موظف فرنسي يسمى بأمر علي، ويشمل نظره جميع مؤسسات التعليم الدولي الخاص، وقد اتخذت فرنسا إدارة التعليم أداة لبث لغتها وتجنيس العقول ومحاربة اللغة العربية والتضييق في نطاق التعليم حتى يبقى الجهل عاما. (و) مدير البريد
وهو موظف فرنسي. (ز) مدير البناء والسكن
وهو موظف فرنسي. (3) المقيم العام للجمهورية الفرنسية بتونس
وقد أخرناه لكثرة الكلام عنه:
إن الوزير المقيم العام يمثل الجمهورية الفرنسية لدى الباي قبل كل شيء، وهو مكلف بالسهر على تنفيذ معاهدة 12 مايو 1881، وبأن يكون الواسطة في العلاقات بين الحكومة الفرنسية والسلطات التونسية في جميع الأمور المشتركة بين البلدين، وقد جعله الباي أيضا (الأمر العلي، 9 يونيو 1881) الواسطة بينه وبين الدول الصديقة.
لقد أحدثت فرنسا بتونس عددا وافرا من المصالح والمؤسسات الفرنسية البحتة، وجعلتها تابعة للوزارات الفرنسية رأسا، ثم أسندت للمقيم العام طبق قرار فرنسي مؤرخ في 22 أبريل 1883 التمثيل المباشر لهذه الوزارات والمصالح العامة الفرنسية، ومكنته من حق المكاتبة رأسا إلى الجهات المختصة والوزراء الفرنسيين الذين يرسلون له تعليماتهم.
وأرادت فرنسا أن توسع نفوذ المقيم العام، وأن تجعله الرئيس الأعلى بتونس، فوضعت بقبضته - طبق قرار أصدره رئيس الجمهورية الفرنسية لتاريخ 23 يونيو 1885 - «سلطات الجمهورية بتونس؛ تحت إمرة قواد الجيوش البرية والبحرية وجميع المصالح الإدارية المتعلقة بالأوروبيين والأهالي.»
واتبعت فرنسا طريقتها التعسفية، فطبقت تلك القرارات بحذافيرها تطبيقا كليا، وإن لم يصادق عليها أي نص صادر عن ملك البلاد الشرعي.
وأرادت فرنسا أن تستولي استيلاء حقيقيا تاما على السلطة التشريعية، فأصدرت مرسوما من رئيس الجمهورية الفرنسية مؤرخا في 10 نوفمبر 1884 جاء فيه: «يفوض رئيس الجمهورية الفرنسية المقيم العام للموافقة باسم الحكومة الفرنسية على الأوامر العلية (المراسيم) التي يصدرها سمو الباي، ولإعطاء هذه المراسيم القوة التنفيذية داخل القطر التونسي»، فأصبحت بذلك جميع المراسيم التي يصدرها سمو الباي لا مفعول لها إلا بعد توقيع المقيم العام الفرنسي عليها. ثم اختصرت الإجراءات بأن صارت الإقامة العامة، هي التي تعد جميع المراسيم الملكية، ثم تعرضها على سمو الباي لوضع ختمه عليها بدون أن يكون له سابق اطلاع عليها، بل أصبح الموظفون الفرنسيون يحتجون الاحتجاجات الصاخبة إذا ما أراد الأمير تغيير لفظة أو فقرة لا تمس جوهر الموضوع أحيانا، ويصرحون بأن لا حق له في إدخال أي تحوير عليها. أما امتناعه عن توقيع مرسوم مهما كان، فيثير عاصفة في الأوساط الفرنسية إلى أن تم لفرنسا احتكار السلطة التشريعية وتسخيرها لفرض حكمها المباشر وتنفيذ برامجها الاستعمارية بمراسيم صادرة في الظاهر عن الدولة التونسية.
ثم زادت الإصلاحات المزعومة الصادرة بتاريخ فبراير 1951 نفوذ المقيم اتساعا عندما أعطته الحق في إبداء «موافقته» أو «توصياته» على جميع المشاريع والقرارات (المراسيم) النظامية أو الشخصية التي يتخذها أعضاء مجلس الوزراء. وقد حرر البندان العاشر والحادي عشر من الأمر العلي المؤرخ في 8 فبراير 1951، حسب رغبة الحكومة الفرنسية، بكيفية تمنح في الواقع للمقيم العام حق تعطيل (فيتو) جميع أعمال الوزراء التونسيين.
وإن البوليس المدني وقواته موضوعة تحت سلطة المقيم العام وتحت تصرفه، وقد كانت مصالح البوليس منذ نظمها الأمر العلي المؤرخ في 17 أبريل 1897 تابعة للكتابة العامة للحكومة التونسية، ولم تنفصل عن الحكومة التونسية إلا في سنة 1943 لتصبح ملحقة بالإقامة العامة؛ فإن الأمر العلي المؤرخ في 20 أبريل 1944 وضعها تحت سلطة مدير فرنسي تابع رأسا للمقيم العام، ولم يخجل وزير خارجية فرنسا «روبير شومان» عندما استشهد بالمعاهدات التي خرقها بقوله في تصريحه أمام المجلس القومي الفرنسي يوم 19 يونيو 52، عندما ادعى أن الأمن الداخلي بالقطر التونسي من اختصاصات فرنسا، مع أن البند الثاني من معاهدة باردو لم ينص إلا على احتلال القوات العسكرية الفرنسية للمراكز التي تراها صالحة لاستتباب النظام والأمن بالحدود والسواحل، ومن قال الحدود والسواحل إنما يقصد الدفاع عن الأمن الخارجي قبل كل شيء. أما الأمن الداخلي فهو من مشمولات الحكومة التونسية؛ إذ لا يعقل ولا يتصور أن تحكم أية حكومة في بلاد من غير بوليس.