وأما في الميدان المالي فلا تكون توصيات في المجلس الكبير محل اعتبار إلا إذا اتفقا عليها جميعا، وأن توافق عليها الحكومة الفرنسية (البند 35 من نفس المرسوم)، وزيادة على ذلك فإن مصادقة وزير الخارجية الفرنسية على الميزانية التونسية ضرورية قبل أن يصدرها الملك بمرسوم.
وإذا اختلف القسمان، فالمرجع هو اللجنة العليا للميزانية التي تنظر في نقط الخلاف تحت رئاسة المقيم العام، الذي يكون صوته راجعا. (مرسوم 8 فبراير 1951).
ولم يقع تجديد المجلس الكبير عندما انتهت مدته بتاريخ 9 ديسمبر 1951.
ولقد أعلمت الحكومة الفرنسية حكومة تونس أثناء المفاوضات بباريس، برغبتها في المحافظة مؤقتا على النظام الحالي للمجلس الكبير ريثما يتكون برلمان فرنسي تونسي.
فأجابت الحكومة التونسية بأن مشاركة الفرنسيين المقيمين بتونس في برلمان تونسي يعتبر اعتداء جديدا على السيادة التونسية، فاحتفظت بالموقف الذي اتخذته في مذكرة 31 أكتوبر، أي بوجوب تكوين برلمان تونسي بحت حسب رغبة الشعب التونسي بأسره وإرادة الملك الواضحة التي عبر عنها في خطاب 15 مايو 1951. (6) خاتمة
إن تلك النظم التي فرضتها الحماية الفرنسية على الدولة التونسية وإدارتها، هي الهيكل الاستعماري الأكبر وعنوان الحكم الفرنسي المباشر.
فرأت الحكومة الوطنية من الضروري التخلص من تلك النظم، وتعويضها بأخرى تمكن الشعب من استقلاله وممارسة حقوقه.
وأجمعت إرادة الملك والشعب على أن يكون ذلك التغيير بالطرق السلمية وباتفاق مع الحكومة الفرنسية، وتحقيقا لتلك الغاية تكونت وزارة دولة محمد شنيق للتفاوض مع فرنسا لإدخال التحويرات اللازمة على النظم التونسية للسير بتونس نحو استقلالها.
| المفاوضات بين تونس وفرنسا
(1) المفاوضات
لو جمعنا الخطب الرسمية وشبه الرسمية التي ألقاها الساسة الفرنسيون في شأن تونس لملأنا مجلدات، فمن رئيس للجمهورية الفرنسية ووزراء وممثلين ومقيمين عامين وموظفين سامين! كلهم يتحدثون عن حقوق الإنسان ورسالة فرنسا التمدينية وصداقتها للعرب والمسلمين، فيكثرون الكلام. ولو حققوا جزءا صغيرا ونزرا يسيرا مما قالوه، لأصبحت تونس جنة النعيم، يتآخى فيها الذئب والخروف، ويتعانق القط والفأر. وقد زالت الفوارق بين البشر، وانمحى التفوق العنصري، واضمحلت الامتيازات بأنواعها، ونسخت القوانين الزجرية الاستثنائية، وقهر الظلم والفقر والجوع والجهل والأمية والمرض.
كانوا وما زالوا يكيلون للتونسيين الكلام العذب المعسول كيلا وافرا من غير حساب، والشعب التونسي ينظر إليهم نظر المتعجب من غرورهم وهذيانهم بعد أن افتضح أمرهم وظهرت حقيقتهم، واطلع الرأي العام العالمي على فظاعة استعمارهم ومنتهى جبروتهم وطرق تعسفهم واضطهادهم.
ولم يرسلوا الكلام على عواهنه والخطب المسهبة الطويلة طوع الخاطر وانقيادا لخيال الساعة، بل التزم الكثير من أصحاب المسئولية في السياسة الفرنسية بوعود رسمية قطعوها لتونس باسم حكومتهم، وأسرفوا في الوعود كما أسرفوا في الخطب من قبل ومن بعد، وكرروها المرة تلو المرة، وجددوها في كل مناسبة ومن غير مناسبة، وأكدوها الواحد تلو الآخر.
لقد اختار الجنرال ماسط الوزير المقيم العام لفرنسا بتونس مسجد القيروان الذي أسسه الصحابي الشهيد عقبة بن نافع فاتح المغرب، ليقيم به مهرجانا عظيما قصد إكساء خطابه الرسمي ضربا من القدسية؛ لما فيه من وعود وثيقة للتونسيين، وهو أول مقيم عام جاء تونس بعد الحرب العالمية، فأقام ذلك الاحتفال في نوفمبر سنة 1942، وقال باختصار إنه ينبغي ألا تقتصر فرنسا على الإصلاحات التي أنجزت، ثم بين ما ستنجزه في العبارات الآتية:
إن فرنسا ستحدد في الأشهر المقبلة الدستور التأسيسي لهذا المجموع العظيم من الشعوب والأراضي التي ستكون الوحدة الفرنسية، وسوف لا تتأخر عن إرضاء رغائب التونسيين المشروعة المعقولة.