تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يشارك في مجلس الوزراء عدد من المديرين الفنيين الفرنسيين، الذين احتلوا في الواقع المناصب الرئيسية وانتزعوا النفوذ من التونسيين شيئا فشيئا، حتى أصبحوا يتحكمون في كل الشئون. (أ) الكاتب العام للحكومة التونسية

أحدث منصب الكاتب العام للحكومة التونسية بأمر علي بتاريخ 4 فبراير 1883؛ بقصد فض الأمور الإدارية بوحدة أشمل وسرعة أكبر من ذي قبل، وليمد صاحب ذلك المنصب الوزير الأول بالمساعدة، ولكنه سرعان ما أصبح المراقب الفرنسي الأول على الإدارة التونسية، وصارت جميع أعمال وقرارات الوزير الأول ورؤساء المصالح العامة الأخرى غير نافذة، ما لم تحمل تأشيرته. ولنلاحظ أن النص التأسيسي لذلك المنصب لم يخصصه بموظف سام فرنسي الجنسية؛ لأن الوظيف نفسه تونس، ولكن جميع الذين احتلوه في الواقع موظفون فرنسيون كان المقيم العام يعرضهم وكان الباي يسميهم.

نعم حذفت تأشيرة الكاتب العام بمقتضى الأمر العلي المؤرخ في 8 فبراير 1951، ولكنها عوضت حالا بموافقة المقيم العام التي قامت مقامها.

وما زال الكاتب العام موظفا واسع النفوذ قويه، فهو يجمع الشئون المدنية والإدارية تحت نفوذه، ويراقب المصالح العامة مراقبة إدارية، كما أنه يراقب أولا: الموظفين؛ أي إنه المتحكم الحقيقي فيهم يوظف ويرقي ويعزل. ثانيا: المصاريف؛ أي إنه يتحكم في الواقع في ميزانية الدولة صرفا، ويمكن له هكذا أن يعطل مصالح التونسيين كما يريد؛ بأن يمنع عنها ما يلزمها من مال لأتفه الأسباب، كما أنه يراقب وضع التصميم الاقتصادي للبلاد وتطبيقه، وهو مكلف أيضا بنشر الأوامر العلية (المراسيم الملكية) والقرارات الوزيرية على الرائد الرسمي التونسي (الصحيفة الرسمية). (ب) الكاتب العام المساعد

وهو موظف فرنسي سام يساعد الكاتب العام ويقوم بأعماله أثناء غيابه. (ج) مدير المال

كان في الأصل وزيرا تونسيا يسهر على المالية العامة، ولكن كثرة القروض والصعاب المالية التي لقيتها تونس في أواخر القرن الماضي وضغط الدول الكبرى، أجبرت الباي على إسناد ذلك المنصب إلى وزيره الأول الذي كان يعمل بمعاونة لجنة دولية لتصفية الديون التونسية. ولم تنشأ وزارة للمالية بعد الحماية، بل أسند منصب «مدير المالية» إلى أحد الموظفين الفرنسيين، ومنذ ذلك الحين أصبح الفرنسيون يتعاقبون عليه طبق أوامر علية يصدرها لهم الباي.

فبعد أن تسرب الفرنسيون إلى إدارة المالية العامة، واستحوذوا عليها ودعموا أقدامهم فيها، حرموا على التونسيين مشاركتهم في مسئولياتها واتخذوها حصنا حصينا للسيطرة على البلاد وثروتها والتحكم في مصيرها المالي والاقتصادي، حتى بلغت بهم الفكرة الاستعمارية منتهاها، فادعى وزير خارجية فرنسا «روبير شومان» في تصريح أدلى به أمام المجلس الوطني الفرنسي يوم 19 يونيو 1952، أن المالية التونسية من اختصاصات فرنسا، لا يمكن لها أن تتنازل عنها، فخرق هكذا المعاهدة التي احتج بها. وهذا البند السابع من معاهدة «باردو» يقول: «تحتفظ دولة الجمهورية الفرنسية ودولة سمو الباي لنفسها بحق الاتفاق على وضع نظام مالي بالمملكة التونسية، من شأنه الوفاء بواجبات الدين العام وضمان حقوق دائني المملكة.»

لا يمكن أن يصبح ذلك التنظيم المالي الذي نص عنه أبديا، بل لا بد أن يكون محدودا بزمن؛ خصوصا وإنه فيما يتعلق بتونس قد تم منذ عهد طويل؛ إذ عرف بالضبط مقدار الديون وأبان دفع أقساطها. أما اتفاقية المرسى فقد اقتصرت على «أن يتعهد سمو الباي المعظم بألا يعقد قرضا في المستقبل لحساب المملكة التونسية دون إذن سابق من الحكومة الفرنسية»، فهذا شرط تحفظي فقط لا يعطي فرنسا حق التصرف مباشرة في مالية تونس إلى الأبد. إن ديون المملكة التونسية تقدر اليوم بثمانين مليارا من الفرنكات تمكن دفعها في مدة عشرين سنة بالتقسيط؛ إذ ما دامت تونس تابعة لفرنسا ماليا، وما دامت وزارة المالية العامة خارجة عن يد التونسيين فإنه يستحيل أن تتقدم البلاد نحو استقلالها الحقيقي، ولو حصلت على كثير من رغباتها السياسية الصرفة؛ إذ يكون التونسيون لجهلهم بما يحاك لهم في ذلك الميدان يوضعون أمام الأمر الواقع، ويجدون أنفسهم دوما أمام حالة مالية مزعجة خطرة تجعل حريتهم وهما واستقلالهم خيالا. (د) مدير الأشغال العامة

تونس الثائرة · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٥٧