ولكن الشعب التونسي لم يلق السلاح، بل تمادى في المقاومة رغم ضعفه، وسقطت مدن المملكة الواحدة تلو الأخرى في قبضة العدو، بعد دفاع مستميت، وما زال الشيوخ التونسيون يتذكرون بطولة صفاقس التي اجتمعت بها رجال القبائل من الهمامة وبني زيد والمثاليث، خاصة ولم تستسلم أبدا، بل ناضلت بعد أن سقط سورها في كل شارع وكل بيت، وكان عدد الشهداء بها عظيما جدا لقلة ما لديهم من السلاح، وتكررت المأساة في بقية مدن المملكة التونسية إلى أن تم احتلال البلاد كلها.
ولم تجد تونس في ذلك العصر نصيرا ولا مجيرا، وإن كان قد فرض الحماية الفرنسية عليها اعتداء سافرا لا مبرر له إلا جشع الاستعمار الأوروبي وإرادة التوسع وكسب الأسواق الجديدة.
ولقد كانت معاهدة باردو فاسدة من أصلها؛ لأن فرنسا فرضتها بالقوة ووقعها ملك تونس تحت تهديد الجيوش المحاصرة له، ولو كان في العالم عدالة لما أمكن لفرنسا أن تبقى بتونس؛ لأن بقائها مناف لجميع المواثيق الدولية الحديثة، كالميثاق الأطلنطي وميثاق هيئة الأمم المتحدة وميثاق حقوق الإنسان، ولأن استمرار احتلالها لتلك البلاد الأجنبية عنها إنما هو تشجيع للقوي في الاستيلاء على الضعيف، ومحافظة على عهد تريد الشعوب طيه؛ لما فيه من ظلم وتهديد دائم للسلام العالمي لتزاحم الأقوياء على أسلاب الضعفاء من الأمم. (1-2) استقلال تونس قبل الحماية
وكانت تونس قبل الحماية الفرنسية دولة تتمتع باستقلالها، لها ذاتيتها وميزانيتها، سواء داخليا أو خارجيا؛ فكانت أرضها محدودة مضبوطة، وكان سكانها متوحدين تجمعهم إرادة واحدة وضمير قومي واحد تحت حكومة تدير البلاد كلها. (أ) الاستقلال الداخلي
وقد استقلت تونس استقلالا حقيقيا منذ اعتلى عرشها مؤسس الدولة الحسينية جلالة الباي حسين بن علي عام 1705، فأصبح الملك وراثيا في أبنائه، دون أن تتدخل أية دولة أجنبية. وكانت الروابط بين ملك تونس والسلطنة العثمانية روحانية فقط؛ أي روابط أمير مسلم مع خليفة المسلمين وأمير المؤمنين. وكانت السلطات كلها مجموعة في قبضة الباي في العهد الأول، إلى أن أخذت البلاد التونسية تتطور في العصر الحديث وتدخل التنظيمات اللازمة في حياتها السياسية والاقتصادية والثقافية.
وكانت تونس أول بلد شرقي سن لنفسه دستورا، فأصدر ملك تونس محمد باشا باي (20 محرم 1274 / 10 سبتمبر 1857) مقدمة ذلك الدستور مطلقا عليها اسم عهد الأمان، وكان القسم الأول منه في الحقيقة إعلانا واضحا لحقوق الإنسان، فضمن البند الأول أمن جميع سكان المملكة من غير امتياز في الدين والجنس ولا الجنسية، وأعلنت بقية البنود مساواة جميع السكان أمام الضرائب والأداءات وأمام القانون أيضا، وجعلت التسامح الديني أساسا لمعاملة جميع من يسكن تونس، كما حررت التجارة والملكية.
وأعطى محمد الصادق باي نظاما جديدا للدولة التونسية عندما أصدر دستورها (26 أبريل1861) الذي لم ينسخ إلى هذه الساعة، وقد شمل ذلك الدستور النظام السياسي والمالي والإداري والقضائي. (ب) النظام السياسي
يعتمد النظام السياسي على ثلاثة أركان: (1) الباي. (2) الوزراء. (3) المجلس الأهلي.
وقد أقيم على بعض المبادئ من مشاركة المجلس في السلطة التشريعية وبقاء السلطة التنفيذية كاملة في قبضة الباي ووزرائه، واستقلال السلطة القضائية ومساواة بين المسلمين وغير المسلمين.
وأول أركان الدولة هو الملك نفسه الذي بقي رئيسا أعلى للدولة وللأسرة الحسينية المالكة، وقد سن الدستور مبدأ مسئولية رئيس الدولة في جميع أعماله المنافية للدستور أو الخارجة عن القانون، كما وضع تحديد هذه المسئولية وما ينشأ عنها من حساب.
أما الوزراء فلم ينص الدستور على عددهم، وقد كان دائما من بينهم: وزير أول ووزير القلم والاستشارة ووزير المالية ووزراء الدولة، وقد حددت أيضا مسئولياتهم.