تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا حصلت فرنسا على امتياز بإنشاء سكة حديد بين تونس والجزائر سنة 1874، وحاول القنصل الإيطالي أخذ امتياز إنشاء مصلحة تلغراف فلم يفلح، ولكنه حصل على شراء السكة الحديدية الممتدة بين تونس وحلق الوادي من شركة بريطانية بفضل ما بذله من أموال طائلة، وأخذ القنصل الفرنسي «روسطان» امتيازا بإنشاء سكة حديد أخرى بين تونس وبنزرت، وتونس وسوسة، وإنشاء ميناء بتونس.

1

وإن إيطاليا عندما أظهرت أطماعها، وشاركت في إدخال الفوضى على حكومة تونس، وبذلت مجهودات كبيرة للحصول على الامتيازات، وضحت بالمال الغزير؛ إنما عبدت الطريق لغيرها وهيأت له الأسباب، لأن حداثة عهدها في المعارك الاستعمارية وقرب بروزها لعالم الوجود كدولة موحدة لم تمكنها من لعب دور حاسم في هذا المضمار، بل كان التزاحم الحقيقي بين ممثل فرنسا وممثل بريطانيا العظمى القنصل وود

Wood

الذي كان يؤيد بقاء مصطفى خازندار، ويشجعه على توثيق العلاقات بين تونس المستقلة في الواقع والدولة العثمانية التي ما زالت تعتبرها ولاية من ولاياتها، حتى لا تجد فرنسا منفذا للاستيلاء عليها.

وقد دامت الخصومة لأجل تونس بين الدولتين الكبيرتين أكثر من عشرين سنة، ولم تنته إلا في مؤتمر برلين عام 1878 بعد هزيمة تركيا في حربها مع روسيا عام 1877، ولا سيما بعد هزيمة فرنسا في حربها مع ألمانيا عام 1870.

فبعد أن ألحقت ألمانيا مقاطعتي الألزاس واللورين بإمبراطوريتها، صرفت عنايتها للاحتفاظ بهما وإبعاد فرنسا عن فكرة الأخذ بالثأر ومحاولة استرجاع هاتين المقاطعتين، ورأت أن تفسح لها المجال في بسط نفوذها خارج أوروبا. وكان «بسمارك» يسعى بصفة عامة للاحتفاظ بالوضع الذي نتج في أوروبا عن حرب سنة 1870، ويعمل على توجيه الدول نحو الشرق، فكان لا يمانع في امتداد نفوذ فرنسا في تونس وبريطانيا في مصر.

وكانت إنجلترا لا تعارض في تقطيع أوصال الدولة العثمانية في أوروبا وفي غيرها.

أما فرنسا، فإنها كانت تحاول الابتعاد عن الميدان الدولي خشية التورط في مشاكل خارجية لا تستطيع أن توجهها، وقد خرجت من الحرب مهيضة الجناح عام 1870.

وظهرت هذه الاتجاهات أثناء مؤتمر برلين عام 1878، فأوعزت ألمانيا لفرنسا بوضع يدها على تونس حتى لا تضع العراقيل في وجهها في المؤتمر، كما نصحتها إنجلترا ببسط نفوذها على تونس لتتمكن هي بدورها من الاستيلاء على مصر.

وهكذا قامت ألمانيا وإنجلترا بتشجيع فرنسا على احتلال تونس وفصلها عن ممتلكات تركيا، وإن كانت تونس في الحقيقة لا تربطها مع الدولة العثمانية في ذلك العهد إلا الروابط الروحية.

2 (1-1) الحماية

لما وجدت الحكومة الفرنسية الجو العالمي مساعدا لها أرادت أن تنهي المسابقة حالا، فأسرعت إلى احتلال تونس حتى لا تضيع عليها تلك الفرصة، وكان رئيس وزرائها إذ ذاك «جول فري» قد عقد العزم على تنفيذ خطة دبرها من قبل وصمم عليها، رغم المعارضة الشديدة التي وجدها في الرأي العام الفرنسي نفسه، خاصة من طرف الحزب الراديكالي وزعيمه جورج كليمنصو، فاتخذ من مناوشات بسيطة عادية وقعت بين قبائل خمير التونسية وبعض القبائل الجزائرية ذريعة لمهاجمة تونس برا وبحرا، ولم يلتفت إلى ما عرضه عليه جلالة باي تونس من تعويضات طبق الاتفاقات السابقة بين تونس وفرنسا، بل أمر الجيوش الفرنسية باقتحام الحدود البرية، وأنزل قوات أخرى من البحر في ميناء بنزرت ومرسى طبرقة، وزحفت هذه الجيوش من غير سابق إنذار ولا إعلان حرب نحو مقر الملك، فوصلت منطقة منوبة على مقربة من القصر الملكي بباردو، وحاصرت القصر يوم 12 مايو 1881، ولم يمهل قائد الجيوش الفرنسية الجنرال برايوت جلالة الصادق باي إلا ساعات ليوقع على معاهدة سنة 1881، وقام قسم كبير من رجال الدولة والموظفين العالين، وفي مقدمتهم أول مكافح تونسي العربي زروق، يعارضون توقيع هذه المعاهدة المفروضة بالقوة ويطالبون بإعلان الحرب على فرنسا والتمادي فيها إلى النهاية، حتى قال زعيم المعارضين: «إما أن نموت بشرف أو نخلص بلادنا من العدو»، ووقع الملك المعاهدة تحت تأثير وزيره الخائن مصطفى بن إسماعيل.

تونس الثائرة · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٥٠