وكان الركن الثالث للدولة هو المجلس الأعلى الذي يقع اختيار أعضائه من بين الأعيان والموظفين العالين، ويتولى الباي ووزراؤه ذلك الاختيار، وله حق المشاركة في ممارسة السلطة التشريعية، وتتخذ قراراته بأغلبية أربعين صوتا من ستين، ويكلف اثنا عشر من أعضائه بتسيير الشئون في الفترات بين جلساته، كما أن من مهام المجلس المحافظة على الدستور وإدخال التغييرات اللازمة عليه.
ومن أعظم الإصلاحات التي أدخلها الدستور على الدولة التونسية تفريق السلطات وتحديدها.
السلطة التشريعية
إن حق سن القوانين من مشمولات الأمير والمجلس الأعلى، ولكنها لا تكون صالحة نافذة إلا بعد اتفاق الباي والمجلس الأعلى عليها. أما القوانين العادية، فينبغي أن يقررها المجلس بالتصويت عليها، ثم يعطيها الباي صبغتها القانونية بخلاف قوانين الضرائب والأداءات؛ فإن المجلس يقررها ويوافق عليها الباي، أما قوانين موازنة الدولة فإن الباي يسنها بإعانة المجلس الأعلى.
السلطة التنفيذية
لقد أقر الدستور بقاء السلطة التنفيذية كاملة في قبضة الباي، فإنه يمثل البلاد في علاقاتها مع الدول الأجنبية، كما أن القيادة العليا للجيش منوطة بعهدته، وهو أيضا القاضي الأعلى.
ومهمة الوزراء مساعدة الباي في ممارسة سلطته التنفيذية.
السلطة القضائية
لا دخل للأمير ولا للمجلس الأعلى في السلطة القضائية التي تحتوي على ثلاث: (1) القضاء الابتدائي. (2) محاكم الاستئناف. (3) محاكم التعقيب. وينبغي أن تذكر في الحكم حيثياته، والقضاة يشغلون مناصبهم لمدة الحياة، ولا تتدخل السلطة التنفيذية إلا لتنفيذ الأحكام الصادرة من المحاكم.
وطبق ذلك الدستور ودام معمولا به عدة أعوام، ثم أهمل، ولكنه لم يلغ ولم ينسخ أبدا، وقد أصدر أستاذان للحقوق - فايس وبرتلمي - فتوى جزما فيها بأن الدستور ما زال موجودا قانونيا اعتمادا على أن الملك المطلق إذا ما تنازل لشعبه عن بعض السلطات لا يمكن له التراجع فيها وافتكاكها من جديد، وعلى أن الدستور السياسي يحتفظ بوجوده القانوني ما لم يلغ بنص صريح، فلم ينسخه القرار السفيري الصادر عن المقيم العام الفرنسي بتونس في 25 ديسمبر 1884، الذي فسخ كل الأوامر العلية (أي المراسيم الملكية) السابقة لعام 1881.
كانت تونس هكذا دولة مستقلة تسير في تطورها نحو نظام ديمقراطي يشارك فيه الشعب شيئا فشيئا، ويضمن لجميع أفراده الحرية والمساواة، خاصة وأن الإصلاح لم يقتصر على الميدان السياسي، بل شمل الميادين كلها من اقتصاد وتعليم وحياة اجتماعية.
ففي عهد الصادق باي سعى المصلح التونسي الكبير خير الدين باشا في تجديد البلاد، وسن ما يناسبها من الأنظمة العصرية النافعة بعد أن سافر إلى أوروبا واطلع على سر تقدمها، وسجل آراءه وأفكاره في أول كتاب ظهر في الإصلاح في العالم العربي سماه: «أحسن المسالك في سياسة المالك.» وأن آراءه الصافية الجلية صالحة لأن تكون أساس نهضتنا في عصرنا الحاضر، فنظم الإدارة المركزية والإدارات المحلية تنظيما عصريا، كما نظم البلديات والمحاكم الشرعية وشئون الأوقاف، وسن قانونا جديدا يضمن للفلاحين حقوقهم، كما وضع برنامجا خاصا لتوزيع الأراضي الزراعية الأميرية على سكان البادية، وأنشأ مجلسا للعناية بالشئون الصحية وإدارة الأوقاف، ونظم مناهج التعليم بجامع الزيتونة، وأسس المدرسة الصادقية لدراسة العلوم الحديثة واللغات الأجنبية، كما أرسل البعثات العلمية إلى إيطاليا وفرنسا.
وهكذا كانت تونس تسير بخطى واسعة في سبيل الرقي والتقدم، إلى أن منيت بالاحتلال الفرنسي، فأقامت فرنسا العراقيل في سبيل هذه النهضة وعطلت سيرها، وأعادت البعثات العلمية من أوروبا، وحولت مناهج التعليم بالمدرسة الصادقية إلى أن جعلتها مناهج لإخراج الموظفين الصغار والمترجمين فحسب. «هذه تونس - للدكتور ثامر- ص23.» (ج) الاستقلال الخارجي