المؤتمر الوطني الرابع
المشكلة القومية والتمثيل الشعبي
أيها الإخوان ...
إن الطبقة العمالية التونسية، وكذلك منظمتها القومية (الاتحاد العام التونسي للشغل) مؤمنة إيمانا راسخا بأن العدل الاجتماعي الذي نريد تحقيقه في أكمل صورة لا يمكن أن يتحقق في نطاق الوضع السياسي الجائر إلا صوريا وجزئيا؛ وذلك لأن الوضع السياسي في حياة جميع الأمم ما هو إلا صورة من الوضع الاجتماعي والاقتصادي السائد فيها، ولأن السياسة هي نظام الحكم العام المسيطر على الشئون الاجتماعية والشئون الاقتصادية، المدبر لأحوال طبقات الأمة المختلفة، والمؤثر على توزيع الثروة القومية بين تلك الطبقات تأثيرا مباشرا، وأي سياسة حكومية لا تشمل الاقتصاد ومشاكل الإنتاج والمعاش والأسعار والأجور؟ وأي مشكلة من المشاكل الاجتماعية كمقدرة الشراء ونظام الشغل وحقوق العمال ونظام الإضراب ... إلخ، خارجة عن مشمولات نظر الحكومات؟!
ثم إن الطبقة العاملة التونسية تعلم من ناحية ثانية أن الأمة كل لا يتجزأ، وأن الذين يعملون على تفريق الصفوف وتمييز طبقة على طبقة وتفضيل فريق على فريق، إنما هم أعداء الأمة من أولئك الرأسماليين والاستعماريين الذين يريدون أن يوجهوا قوة الكفاح في الشعب إلى التطاحن الداخلي والتقاتل بين أقسام الأمة الواحدة لتتخاذل في حملتها ويضعف بعضها بعضا. ولكن الطبقة العاملة التونسية قد أقامت الدليل المرات العديدة على أنها تعلم بالضبط أين مصلحتها ومن هم أعداؤها الحقيقيون ونحو من يجب أن توجه كفاحها المستميت، وعلى أنها متحدة اتحادا كليا مع عامة الشعب التونسي بكافة طبقاته في جهاده نحو العدل والحرية والرقي. والشعب التونسي بدوره قد أدرك ذلك وأكبره في الطبقة العاملة، فقابلها من التأييد لها والاتحاد معها بمثل ما لقيه منها.
وبهذا يتبين لماذا كان كفاحنا الاجتماعي في نفس الوقت كفاحا سياسيا؛ لأن السياسة مسيطرة على الاجتماعيات، فلا تصلح هذه إلا بصلاح تلك، كما يتبين لماذا كان كفاحنا الاجتماعي كفاحا قوميا في نفس الوقت؛ لأن مصلحة العمال جزء من المصلحة القومية العامة، فلا تتحقق الأولى إلا بتحقق الثانية.
مقومات النظام السياسي عندنا وما تنطوي عليه من مبادئ الجور
ولو أمعنا النظر لحظة في نظام الحكم في بلادنا، ولو باعتبار المشاكل الاجتماعية خاصة، لرأينا أن جميع الأسباب السياسية فيما لا نزال نقاومه من أنواع الظلم الاجتماعي راجعة إلى فساد الأصول العامة القائم عليها النظام السياسي في البلاد.
والأصل الأول الذي يقوم عليه هذا النظام السياسي هو كما تعلمون المبدأ الاستعماري، والاستعمار معناه تسخير القوى السياسية وهياكل الحكم في جميع أنواعه ومظاهره لخدمة رأس المال الأجنبي، ومصالح طبقة أجنبية من المحظوظين الذين جاءوا البلاد لاستثمارها من جميع النواحي. لذلك كان أول ما يبدأ به الاستعمار محاولة قتل السلطة الأهلية وإزالة الذات والشخصية والسيادة القومية، كذلك رأيناه يصنع بشقيقتنا الجزائر مثلا؛ فيمحو الذاتية القومية الجزائرية، ويجعل من التراب الجزائري العربي ترابا فرنسيا، ويحشر الجزائريين في الجنسية الفرنسية حشرا. أما في بلادنا، فالاستعمار حاول قتل الذاتية التونسية وإفناء السيادة التونسية بواسطة الإدارة المباشرة التي لم تبق لنا من السلطة إلا الألقاب الظاهرة والتصرف الصوري، وافتكت السلطة الحقيقية والنفوذ الواقعي، وهذا ما توصل به الاستعمار إلى أن شحن إدارتنا بالآلاف المؤلفة من الموظفين الأجانب، وإلى أن صير التونسي في إدارة بلاده أجنبيا عن الحكم والنفوذ الحقيقي وعن تدبير الشئون الجوهرية في حياة بلاده.
على أن الاستعمار لم يكتف بسلوك سبيل الإدارة المباشرة للاستبداد بالحكم والتصرف به وحده، بل زاد على ذلك أنه عزز هذا الحكم المباشر بإسناده إلى قوات احتلال عسكرية وجندرمة وشرطة يتصرف فيها وحده دون تدخل السيادة التونسية؛ لأنه لا يرمي إلى تدبير شئون الحياة والمصلحة القومية العامة، بل إلى فرض نظام سياسي يهدف إلى مصلحة خاصة، هي مصلحة الجالية الأجنبية التي يقال إنها حماية.