وبعد أن استبد الاستعمار بالحكم بواسطة الإدارة المباشرة، وبعد أن جعل ذلك الاستبداد استبدادا بالقوة واحتلالا عسكريا؛ زاد على ذلك كله أن جعله استبدادا ديكتاتوريا لا رائحة للديمقراطية أو لشبه الديمقراطية فيه، فالشعب في جميع شئونه خاضع لسياسة حكومة غير مسئولة يتصرف فيها مديرو الإدارات والوزراء كما يشاءون بدون أن يستطيع الشعب الدفاع عن مصالحه بواسطة أي منظمة نيابية تعبر عن آرائه ورغائبه، وقد استعمل الاستعمار هذه الوسيلة بصفة مستمرة في الماضي وهو يود أن يستمر على استعمالها في المستقبل. فأما مديرو الإدارات فهو لا يزال إلى الآن متشبثا بأن يكونوا من الأجانب، معاكسا في ذلك كل منطق وكل معقول وأبسط مبادئ الحق.
وهل من المنطق أو المعقول أو من الحق في شيء أن يكلف بالنظر في المصلحة القومية وتدبير الشئون الوطنية من هم أجانب عنا وعن وطننا؟! وأما الوزراء فإن الاستعمار كان يختارهم من بين ذوي الذمم التي تباع وتشترى بأبخس الأثمان، ينصبهم على كراسي الحكم ويغدق عليهم الأموال والنياشين والتشريفات، ويصرفهم بكل سهولة في خدمة مصالحه ضد المصلحة العامة بدون مراعاة استنكار الشعب ولفظه لهؤلاء العبيد والأذناب.
على أن الاستعمار لم يرد أن يكون حكمه الاستبدادي مكشوفا مفضوحا، فحاول أن يغطي على ذلك بالمغالطة والتمويه، فأحدث مجالس ادعاها نيابية وما هي بالنيابية، ولكنها مهازل فظيعة ومنكرات أشنع من الظلم المكشوف. أوجد الاستعمار المجلس الكبير ولكنه جعل نظامه النيابي على ما تعلمون من التشويه الممقوت ومن التمثيل الجائر، فأعطى لممثلي الأقلية الأجنبية نصف المجلس ولممثلي الأمة التونسية بأجمعها النصف الآخر، ثم زاد على ذلك أن جعل التمثيل فيه للمصالح الاقتصادية؛ أي للطبقات التي تتنافى مصلحتها الخاصة مع المصلحة العامة، أو التي تجد مصلحتها الخاصة في ممالأة مصلحة الأجانب والخروج عن المصلحة القومية، فإذا المتصرفون في ميزانية الدولة المقررون لوجوه صرف الأموال المأخوذة من جيوب الشعب، هم كبشة من ممثلي المستعمرين الذين اغتصبوا الأراضي والشركات الكبرى التي افتكت موارد الثروة القومية وأذناب الاستعمار ممن كسبوا ثروتهم بخدمة ركاب الأجانب وامتصاص دماء المواطنين.
وليكون هذا الحكم السياسي الدكتاتوري كاملا محكما، أضاف إليه نظام حالة الحصار الذي عاشت فيه تونس فوق الثلاثين سنة من أول الحماية، ولا تزال عائشة فيه منذ ثلاث عشر سنة باسترسال؛ أي من سنة 1938، أما الأوامر الزجرية الاستثنائية والتحجير للحركة السياسية الكفاحية الوطنية الحقة، فذلك ما لا يحتاج إلى تذكير.
النظام السياسي وعلاقته بالمسائل الاجتماعية والاقتصادية
إن هذا النظام السياسي الذي لخصنا لكم خصائصه ومقوماته، أيها الإخوان، لم يأت على هذه الصورة إلا لأنه خاضع في عناصره إلى غايات معلومة، ولا تختلف أشكال النظام السياسي إلا باختلاف أغراضها وغاياتها، فما هي الغايات التي شكلت الحكم السياسي عندنا بشكله هذا؟
إن الشيء الذي يجب أن نؤمن به إيمانا راسخا هو أن الأجنبي لا تقوم سياسته إلا على مبدأ المنفعة المادية، والتفوق الجنسي والمعنوي، فالاستعمار عندنا وليد النظام الاقتصادي العصري السائد في غربي أوروبا، وهذا النظام الرأسمالي قائم على أن المنفعة المالية هي الغرض من كل شيء، وأن المال هو أول ما يرسم في سلم القيم، وأن الرغبة في المال والنهم العادي لا يقفان عند حد، وأنه إذا حصلت ثروة كبرى وجب الطموح إلى ثروة أخرى أكبر منها، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية له.
ذلك هو - أيها الإخوان - المبدأ الذي تقوم عليه نفسية الاستعمار ومذهب الاستعماريين في نشاطهم أينما كانوا. بل انظروا إلى الميدان الاقتصادي في البلاد، تجدوا أن معظم الثروة القومية الوطنية قد اغتصبها الاستعمار، فثروة المناجم بأنواعها في أيدي الشركات الرأسمالية الكبرى، والعمال بمثابة الأدوات أو الآلات المستعملة في استثمار تلك الثروة لا يعتبر فيهم إلا رخص النفقة ومقدار الإنتاج، كما أن الآلة تكون أحسن ما تكون إذا كانت رخيصة الثمن غزيرة الإنتاج. وجميع الأراضي الخصبة في أيدي الشركات الفلاحية الأجنبية وكبار المعمرين الذين حصلوا عليها بالقوة الغاشمة أو بالخدعة والحيلة.