تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وسلم

باسم جلالة الملك المعظم، سيدي محمد الأمين الأول، صاحب المملكة التونسية، دام له العز والبقاء، وبالنيابة عن وزارته المخلصة المتفانية في خدمة شعبه النبيل، وأصالة عن نفسي بصفتي وزيرا للشئون الاجتماعية؛ أقف والقلب متصدع أسى أمام جثث هؤلاء الشهداء الأبرار الذين سقطوا كما سقط كثيرون من قبلهم.

أقف بينكم جميعا لكي أعرب عن الحزن العميق الذي يخالج في هذا اليوم الرهيب صدر الأمة التونسية قاطبة، وفي مقدمتها ملكها المفدى ووزارته الوفية، التي بذلت منذ أسابيع قصارى الجهد للتفادي من المأساة التي نحياها اليوم، والتي تشتد وطأتها أيما اشتداد على أفئدتنا عندما نعلم أنه كان من الممكن بل من السهل اجتنابها؛ فقد كنا على قاب قوسين أو أدنى من الحل الذي من شأنه إرضاء المضربين وإعادة السلم والراحة لنصابها، فإني بعد ما طمنت خاطر العملة المضربين وطلبت منهم ملازمة الهدوء والسكينة بواسطة نوابهم الشرعيين طلبت أيضا بإلحاح من مدير الشركة أجلا إلى أن يصدر بلاغ مجلس الوزراء الذي انعقد كما تعلمون يوم الثلاثاء في الساعة الرابعة مساء، وقد انفجرت المأساة بكل أسف في نفس ذلك اليوم حوالي الساعة الثانية بعد الزوال أيضا، لكن أبت الأقدار إلا أن تجد ما جد، ونحن - المؤمنين بوجود الله تعالى، العامرة قلوبنا بتقواه، الصابرين والمصابرين على الضيم والعدوان، الجادين في مقاومته بالحجة والإقناع - لا نرى في هذا المصاب العظيم الذي حل بأمتنا في أبنائها الضعفاء المساكين إلا محنة تكون عاقبتها بحول الله الفرج؛ لأن في اتحادنا الهادئ الوديع وفي صمودنا خاشعين صابرين في هذا اليوم أمام موتانا الذين ذهبوا ضحية اعتداء فظيع لا مبرر له؛ لأن المضربين لم يطالبوا إلا بحق مشروع وبأساليب مشروعة، قلت: لأن في اتحادنا عبرة لمن لم يعتبر لحد الآن، ولمن لا زال يفضل استعمال القوة على حسن التفاهم ومعالجة الأمور بالتي هي أحسن؛ لأن لكل قوة قوة أكبر، وقوة الله التي نحن متمسكون بها فوق كل شيء.

ونحن نؤمل أن تقتص العدالة من كل معتد أثيم، وألا تذهب هذه الأرواح سدى، بل يكون في تضحيتها درس يتعظ به الحائدون عن سواء السبيل، سبيل التفاهم النزيه وحسن المعاشرة بين جميع المتساكنين.

وفي الختام ننحني بخشوع وترحم على أرواح هؤلاء الشهداء الأبرياء، داعين لهم بالرحمة الواسعة ومقدمين إلى أوليائهم وإلى كافة الطبقة الشغيلة خاصة، وإلى الأمة التونسية عامة أحر تعازينا وأشمل عطفنا.

وتجددت المعارك الدامية بين العمال والقوات الفرنسية بشركة بوتنفيل الزراعية وبجهات سوق الخميس وسوق الأربعاء وباجة وبرج السدرية، وقد حملت إحدى النسوة العاملات أثر هاته الواقعة الأخيرة جثة وحيدها على يديها وكان شابا لم يتجاوز العشرين من عمره، وسارت به والعمال وراءها إلى أن وضعته أمام قصر الملك بحمام الأنف الذي كان قريبا جدا من محل المعركة، وأخذت تنادي بأخذ حقها من الظالمين، فأطل عليها الملك من شرفته واستفسر الأمر، فلما علم بحقيقة الحادث أدخلها إلى قصره وقبلها في رأسها وأجلسها حذوه ومسح دمعتها وقال لها: إن مات لك ابن فالتونسيون كلهم أبناؤك؛ خصوصا وأنه مات شهيدا في سبيل وطنه ودينه، وما أنا إلا أب لك، فخرجت إلى الملأ وهي تزغرد. (أ) أهداف الاتحاد

أسس الاتحاد على مبادئ نقابية حقيقية يرمي إلى إنجازها، وقد انتصر في تحقيق بعضها، ولكنه يرى أنه يستحيل على العامل التونسي أن يحصل على حقوقه ما دامت بلاده تحت تصرف الأجنبي غير مستقلة؛ فاستقلاله مرتبط ارتباطا كليا باستقلال وطنه. وقد شرح الأستاذ محمود المسعدي في تقرير قدمه لمؤتمر الاتحاد المنعقد بتونس في تلك الفكرة بوضوح تام، قال:

تونس الثائرة · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٤١