تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت الأسباب التي انهزم أمامها محمد علي متنوعة، أعظمها تألب جامعة النقابة الفرنسية العامة والحزب الاشتراكي الفرنسي والحزب الشيوعي الفرنسي والأحزاب الاستعمارية اليمينية التي حملت في صحفها حملة شعواء على النقابات التونسية لانسلاخها عن النقابات الفرنسية من جهة، ولما فيها من خطر يهدد المصالح الاستعمارية من جهة أخرى، فلم تجد الحركة النقابية الأولى مدافعا ولا نصيرا، ولكن الفكرة التي شرع محمد علي في تنفيذها لم تمت معه، وتأسست سنة 1937 من جديد (الجامعة العامة للعمال) ونشرت فروعها في المملكة التونسية كلها بسرعة عجيبة، وكان الحزب يؤازرها بكل قواه، وهذا من أكبر أسباب نجاحها، ولكنها لم ترق الاستعماريين، خاصة وأن العمال بعد أن تكتلوا وطالبوا بحقوقهم من غير جدوى أخذوا يقومون بالإضرابات المتوالية، فتذمرت الشركات الفرنسية الكبرى من هذه الحركة، واستنجدت مناجم الفوسفات بقوات البوليس والجيش التي وضعتها السلطات الفرنسية تحت تصرفها، فاحتلت المناجم وأخذت تقاوم العمال مقاومة شديدة عنيفة، وهاجمتهم هجمات متوالية دامية أسفرت عن عشرات من القتلى ومئات من الجرحى في مناجم المتلوي والعرائس والمضيلة والجبل الأبيض والمتلين، فقام الشعب التونسي بأسره بإضراب عام غضبا لعماله وآزرهم في مصابهم، وأرسل إليهم من كل أنحاء المملكة الإعانات والإسعاف. ولما هبت العاصفة على الحركة الوطنية التونسية جرفت في أعاصيرها الجامعة العامة للعمال سنة 1938، فذاق القائمون بها ألوانا من العذاب والسجون، ولحق الاضطهاد الاستعماري حركة العمال كما لحق الحركة الوطنية نفسها.

وبعثها الزعيم النقابي العالمي الشهيد فرحات حشاد عام 1944 بعثا جديدا وكساها صبغتها الحالية، ووجهها توجيها نقابيا صحيحا، وافتك الحرية النقابية من السلطات الاستعمارية افتكاكا عندما وضعها أمام الأمر المقضي عام 1944 بتكوين نقابات حرة بمدينة صفاقس، ثم عم نشاطه المملكة كلها، وحصل على الاعتراف القانوني بنقاباته الحرة، وساند الحزب الحر الدستوري الحركة العمالية الفتية مساندة قوية كلية؛ لأن الحركة العمالية أصبحت من الأسس الثابتة في تكييف مستقبل تونس، ولأنها قوة من أعظم قوى البلاد اندفاعا واستماتة. وسرعان ما انتظم العمال - من تونسيين وغير تونسيين - في صفوف هذه الحركة الجبارة، فأصبح عددهم يفوق المائة ألف، وخاضت المعارك الواحدة تلو الأخرى للدفاع عن حقوق أعضائها، وتوالت الإضرابات، فأرادت السلطات الفرنسية أن تنزل بها الضربة القاضية قبل أن يستفحل أمرها، واغتنمت فرصة الإضراب العام الذي أعلنه الاتحاد العام التونسي للشغل، في يناير 1948 والذي نجح نجاحا باهرا في المملكة كلها، فعطل جميع المصالح وأوقف المواصلات والإدارة، وتآمرت تلك السلطات مع الجيش الفرنسي. وبينما كان العمال المضربون في محطة قطار صفاقس يحافظون على تنفيذ الإضراب، هاجمتهم القوات المسلحة في الصباح المبكر بدون سابق إنذار، وأطلقت عليهم وابلا من الرصاص، وهرع العمال من كل صوب لمكان المعركة وخاضوها وهم عزل من كل سلاح، واقتحموا الدبابات وافتكوا منها المدافع الرشاشة، ولم يتقهقروا إلا بعد أن تكاثر عليهم الجنود من كل صوب، ومات منهم ثلاثون شهيدا وجرح مائة وخمسون، واعتقلت السلطات الفرنسية عقب ذلك مئات من العمال وأودعتهم السجن. وقد تظاهر الشعب التونسي بأسره احتجاجا على هذا الاعتداء الدامي، وقدم أعضاء بلدية صفاقس استقالتهم، وحملوا السلطات الفرنسية مسئولية هذه الحوادث، ولكن السلطات الفرنسية مع ذلك قدمت زعماء الحركة النقابية إلى المحكمة الفرنسية، فأصدرت عليهم في 20 يناير سنة 1948 أحكاما قاسية.

ورغم ذلك الاضطهاد لم تتمكن السلطات الفرنسية من القضاء على الاتحاد العام التونسي للشغل الذي زادته دماء الشهداء رسوخا واعتدادا بالنفس وثبتت أقدامه ومتنت بنيانه، فخرجت الحركة النقابية من تلك المعركة أقوى وأكثر اندفاعا وأشد مراسا، فبعد أن نظمت العمال في المدن مالت إلى إخوانهم المتفرقين في المزارع، إلى العمال الفلاحين تشد من أزرهم وتتمسك بحقوقهم وتناضل عنهم حتى كسبت لهم حق الانخراط في نقابات لهم، ثم دربتهم على النظام والنضال ورفعت أجورهم، ولكن المستعمرين الفرنسيين رأوا في ذلك تحديا لهم وخطرا مباشرا يهدد مصالحهم، فناصبوا النقابات العداء وخرقوا قوانينها العامة، ولما أضرب عمال الشركة الفلاحية الفرنسية (شركة النفيضة) في وقت الزراعة استنجدت بالقوات العسكرية الفرنسية التي أخذت تطارد العمال وتخرجهم من بيوتهم وتتبعهم رميا بالرصاص، حتى قتلت منهم عددا وافرا من بينهم امرأة حامل، فقام القطر التونسي قومة الرجل الواحد احتجاجا على ذلك العسف، والتف الشعب التونسي حول عماله المضطهدين، وكان يوم تشييع جنازة الشهداء يوما مشهودا حضره نجل الملك نائبا عن أبيه والوزراء التونسيون وقادة الحزب الحر الدستوري التونسي وممثلون عن جميع المؤسسات التونسية. وإذا بدماء الشهداء توحد مرة أخرى صفوف تونس وتقرب بين القلوب وتطهر النفوس وتزرع فيها روح التآخي. وألقى معالي الأستاذ محمد بدرة على لسان الوزارة التونسية خطابا عبر فيه عما يختلج في ضمير التونسيين جميعا، قال:

تونس الثائرة · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٤٠