كون الحزب شبه مدارس تابعة للشعب والجامعات، وانتدب لها من بين الدستوريين من يلقي المحاضرات في النظم السياسية وتاريخ الحركات القومية في مختلف الأقطار وفي مبادئ الحزب وطرق دعايته وكفاحه ليكون فيها دعاة مقتدرون، وأسس بتونس مدرسة عليا للدعاة الممتازين يتلقون فيها الدروس بانتظام ويمتحنون في موادها، ولكن أعظم مدرسة لتكوين الرجال القادرين على خوض معركة الحياة الذين تم إعدادهم لتنظيم جميع الميادين من سياسة وثقافة واقتصاد واجتماع؛ فلم يقتصروا على معرفة النظريات بل يرونها كلاما أجوف ما لم تكن مقرونة بالتطبيق، هي العمل الحزبي المستمر الذي يفرض على الدستوريين فرضا للقيام بمنشآت الشعب المتنوعة والذي يكونهم تكوينا في الكفاح والنضال. (4-6) مكاتب الحزب في الخارج
ولم يقتصر عمل الحزب على داخل المملكة التونسية، بل رأى أنه لا بد من تعزيز الكفاح الداخلي بعمل خارجي يتسع نطاقه شيئا فشيئا، حتى يمتد وينتشر في غالب القارات لتكوين أنصار لتونس وجلب عطف الحكومات والشعوب والتعريف بالقضية الوطنية وبالأساليب الاستعمارية الفرنسية، فكون لهذا الغرض مكاتب متعددة وجعل من مكتب القاهرة مركزا لها ونقطة اتصال دائم، وأحدث مكتبا بنيويورك يقوم بالدعاية في الأوساط الأمريكية المختلفة، ويسهر على سير القضية أمام هيئة الأمم المتحدة ولدى وفود الحكومات. وله أيضا مكاتب بباريس ونيودلهي وكراتشي وستوكهلم، وهو يوسع عمله هذا يوما فيوما. (5) المنظمات القومية
تشعبت الحركة الوطنية بتونس بقدر انتشارها وتعمقها، وتعددت حاجياتها بتعدد الميادين التي تكافح فيها لرد الهجمات الاستعمارية والسيطرة الأجنبية وتوغل الفرنسيين في منظمات الدولة والاقتصاد من زراعة وتجارة ومناجم وبنوك وفي التعليم والثقافة، لتفكيك جميع الروابط القومية والقضاء على معنويات الشعب وثروته. فرأى الحزب وجوب تقسيم الأعمال في الكفاح ليختص كل جماعة من الوطنيين بالنضال في ميدانهم، مع السير طبق توجيه الحركة الوطنية، فكان الميدان السياسي مختصا بالحزب نفسه لتحقيق الأهداف الوطنية العليا.
وأعان الحزب على تكوين منظمات قومية كبرى تعمل تحت إشرافه العام في الحقل السياسي وتشتغل كل منها بناحية من نواحي الحياة. (5-1) الاتحاد العام التونسي للشغل
إن الاتحاد العام التونسي للشغل أعظم منظمة قومية تونسية؛ لأن العمال يكونون الطليعة في كل شعب والقوة الفعالة في النضال، وهم أصحاب السواعد المفتولة والشعور البشري الصحيح والثبات على المبدأ وأعرف الناس بالظلم والظالمين، وهم رجال الإنتاج، يسهل تنظيمهم لاجتماعهم مئات وآلافا في محل عملهم، وإن ما يرونه يوميا من بذخ المستعمرين وشرههم واحتكارهم للأرباح الطائلة يجعلهم لا يطيقون صبرا على البقاء فيما هم فيه من فاقة وعراء ومسغبة.
وقد شرع العمال التونسيون في تنظيم صفوفهم في نقابات تونسية للذود عن حقهم المغصوب والسعي في رفع مستواهم الحيوي في عام 1922، تحت قيادة شاب نشيط ممتاز تخرج من مدارس الهندسة، وهو محمد علي القابسي الذي أحدث حركة نقابية قوية بما بثه من روحه الثائرة في قلوب أتباعه. وقد تولدت حركة هذا الزعيم النقابي وسط الكفاح؛ لأنه بمجرد ما كون (الجامعة العامة للعمل التونسي) سنة 1924، وقفت القوات الاستعمارية في وجهه وصمت الآذان عن مطالب العمال المشروعة، فما كان منه إلا أن أعلن إضرابا عاما، وكانت نقطة ارتكازه ميناء «بنزرت». وجاءت القوات الفرنسية تعزز أصحاب رءوس الأموال الاستعماريين، فقتلوا وشردوا وألقوا القبض على عشرات من بينهم محمد علي، وأحالوهم إلى المحاكم الفرنسية التي حكمت عليه بالنفي المؤبد سنة 1925، فهاجر وطنه مجبرا ومات بالحجاز فريدا وحيدا.