ولما شاهدنا بالتجربة المتكررة أن ذلك الاتصال المباشر بالشعب أفيد للقضية وأعظم مفعولا من كل الطرق الأخرى، عددنا الاجتماعات العامة والخاصة وكررناها ونوعناها. وللحزب أكثر من أربعمائة شعبة في المملكة التونسية، يجتمع المنخرطون في كل واحدة منها مرة في كل أسبوع أو نصف شهر على الأقل؛ ليكونوا مطلعين على تطورات الحالة. ويعقد دعاة الحزب المتجولون عشرات الاجتماعات في كل أسبوع، أما الزعماء فإنهم في تنقل دائم ودعاية شفاهية مستمرة. ولندرك مقدار هاته الناحية من جهودهم، يكفي أن نعلم أن في تونس الصغيرة الرقعة 250 كيلومترا عرضا و550 كيلومترا طولا يقطع بعضهم بين المائة ألف كيلومتر والثمانين ألف كيلومتر في العام الواحد في جولات متتابعة.
لم توهب حرية الاجتماع والكلام إلى الحزب الحر الدستوري، بل أفتكها افتكاكا وأخذها عنوة وضحى بمئات ومئات من أتباعه، وضحى قادته أيضا بحريتهم وحوكموا أحكاما قاسية المرة تلو المرة لأجل تلك الاجتماعات؛ لأن الحريات كلها مفقودة بتونس منذ شهر أبريل 1938، والحزب نفسه محجر قانونا، فمن يتلفظ بكلمة «دستور» ومن يجتمع بأكثر من ستة أشخاص معرض لثلاثة أعوام سجنا وغرامات مالية فادحة. وبما أن تحقيق الأهداف القومية تتطلب إيقاظ الشعب وتكتله، وبما أن تلك النهضة مستحيلة وذلك التكتل لا يتم إلا بتلك الاجتماعات العامة؛ قرر الحزب أن يقوم بها ويكلفه ذلك ما يكلفه، فبدأ على إثر الحرب العالمية الثانية بالاجتماعات الصغيرة إلى أن نمت وترعرعت وأصبحت تعد عشرات الآلاف، فوجدت فرنسا نفسها أمام الأمر المقضي، فإما أن تقدم على إيقاد ثورة عامة، وإما أن تغض الطرف شيئا ما. وحاولت إيقاف تيارات الاجتماعات تارة بإصدار أحكام قاسية على المسئولين عن عقدها والمتكلمين فيها، وتارة تنزل إلى أماكنها جنودها ودباباتها لتمنعها فتتم في أماكن أخرى، فقد ابتدأ التونسيون في الحقيقة معركة التحرير في ذلك المجال.
ثم كان الحزب يصدر منشورات أسبوعية يوزعها على شعبه فقط للتوجيه وتحديد مواضيع الداعية، وبيان الأعمال المتنوعة التي يتطلبها الموقف وما أحدث في الأنظمة الداخلية، فيبث ما فيها إلى أعضاء الحزب ثم إلى الجماهير، وذلك اتصال آخر كاد يكون مباشرا.
وللحزب صحيفتان رسميتان تنطقان باسمه؛ الأولى باللغة العربية تتوجه إلى الشعب التونسي، والثانية بالفرنسية تتوجه إلى الأجانب، وله صحف متعددة شبه رسمية؛ اثنتان منها يوميتان: الواحدة صباحية والأخرى مسائية، وبجانبها عشرات من الجرائد الأسبوعية منها السياسية ومنها الأدبية ومنها الدينية ومنها الفكاهية والهزلية، حتى إن جميع الصحافة التونسية أصبحت موالية للحزب تدافع عنه وتنشر آراءه، ما عدا بعض الصحف الهزيلة التي تمولها السفارة الفرنسية.
وأخذ الحزب أيضا ينشر الرسائل الصغيرة وبعض الكتب. (4) النظام الحزبي
يتكون مجموع الحزب من أعضاء عاملين وأعضاء مساعدين، وكل عضو منه لا بد أن ينتمي إلى شعبة من شعبه، وتنقسم تلك الشعب إلى نوعين: النوع الأول وهو الأكثرية الساحقة هي «الشعب الترابية»، لكل واحدة منطقة محدودة وعددها يفوق 400 شعبة، و«الشعب غير الترابية» وهي موجودة خاصة في العاصمة تجمع عادة المهاجرين إليها من بلدة معينة أو جهة معينة. وقد تبعنا في الغالب التقسيم الطبيعي سواء أكان بشريا أم جغرافيا.
ولا تتكون الشعبة الرسمية إلا إذا انخرط فيها 50 عضوا عاملا على الأقل، فإذا تم ذلك النصاب تعقد جلستها العامة وتنتخب هيئة إدارتها التي من بينها رئيس الشعبة وأمينها العام وأمين صندوقها والمسئول عن الشبيبة والمسئول عن الدعاية، وتجتمع تلك الهيئة مرة في الأسبوع على الأقل لبحث الوسائل الناجعة لإنمائها واتساعها وتطبيق أوامر الحزب في منطقتها، وعليها أيضا أن تعقد اجتماعا عاما لجميع المنخرطين فيها مرة في كل نصف شهر على الأقل، وتكون من الشبان التابعين لها «شبيبة دستورية» تسهر الشعبة على تربيتها الوطنية وتدريبها على العمل وتنفيذ الأوامر والامتثال للنظام. وفي غالب الأحايين تنشئ لها شبه مدرسة لتثقيفها تثقيفا سياسيا وطنيا ممزوجا بثقافة عامة، وتكون الشعبة أيضا هيئة من الدعاة يعملون باستمرار تحت إشرافها في جميع منطقتها لبث الدعاية الفردية والاتصال بجميع الطبقات لجلبهم للحزب وتوجيههم التوجيه الصحيح، فينبثون في الأماكن العامة والخاصة مجادلين ومناقشين مدافعين ومبينين، ويكون عددهم حسب أهمية الشعبة.