تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن اتصال القادة بالشعب اتصالا مباشرا يتخذ طرقا شتى وأساليب متنوعة، ويعتمد على دعاية عصرية منظمة نظاما محكما توجه الرأي العام توجيها وطنيا قوميا، وتوضح له الغايات الأساسية التي ينبغي أن تكون دوما حاضرة في أذهان التونسيين، وتشرح له الأهداف الجزئية التي تهيئ تحقيق تلك الغايات البعيدة، وتبين له أيضا مقاصد المناورات السياسية الدقيقة وتعوده على فهمها بالإشارة والتلويح، ولم يتم ذلك إلا لمعرفة قادة الحزب بنفسية شعبهم وميوله وطبيعته والامتزاج به، فيرتفعون به إلى مستواهم في التفكير السياسي، ويقودونه حسب المصالح الوطنية العليا لا حسب العواطف والانفعالات والحماسة.

وكانت أعظم وسيلة في دعاية الحزب الاجتماعات العامة التي اتخذت قوالب متنوعة وانقسمت إلى أصناف متعددة؛ فتبتدئ عادة باتصال بعض الدعاة اتصالا فرديا بالقرية أو المدينة أو الجهة لفحصها واختيار بعض الوطنيين بها يكونون كالنواة للعمل المقبل ويجمعون حولهم كتلا صغيرة؛ يجتمع بهم ذلك الداعية، وبعد أن يتم ذلك العمل الذي يتطلب أسابيع وشهورا أحيانا يشرع الحزب في اجتماعات أوسع، يرسل لها بعض خطبائه المفوهين مصحوبا بأخصائيين في التنظيم، يشتغلون بعد الاجتماع بتوثيق الروابط وإدخال الترتيبات الحزبية واختيار المسئولين على قيادة الحركة في تلك الجهة اختيارا مؤقتا. وعندما يتم التمهيد وتتكون المؤسسات الحزبية ويتهيأ الجو، إذ ذاك يقصد أحد القادة تلك الجهة، فيبلغ أنصار الحزب ودعاته ذلك الخبر إلى القاصي والداني ويبثونه في الأسواق والبوادي، وتزين المدن والقرى بالأعلام، ويهيأ في الغالب طقم الموسيقى، وفي الميعاد المضروب تخرج عشرات السيارات لتستقبل الزعيم في الطريق على بعد 10 أو 20 كيلومترا من مقر الاجتماع، ويجتمع السكان خارج المدينة، ويصطف قسم من الشباب «الدستوري» على حافتي الطريق، ويذهب قسم آخر منه على الدراجات النارية ليلتفوا بسيارة الزعيم، وما أن يظهر وسط الطريق حتى تتعالى الهتافات باستقلال تونس وبالجهاد في سبيلها، وتعزف الموسيقى الألحان القومية وتصدح الشبيبة الدستورية بالأناشيد الوطنية وتتبعها الجماهير، ويدخل الزعيم إلى المدينة تحت الأعلام الخفاقة وسط الجماهير المتحمسة والنساء المزغردات. وما أن يأخذ مكانه فوق منصة الخطابة وحوله من الرجال المسئولون على الحركة حتى تهدأ الأصوات، فيصبح ذلك الجم الغفير من الشعب الذي جمع الغني والفقير والمرأة والرجل والشاب والشيخ والعالم والجاهل في صعيد واحد كأن على رءوسهم الطير، ويبدأ الاجتماع بتلاوة آي الذكر الحكيم، ثم يتعاقب الخطباء أمام الميكرفون وبعد كل خطيب منهم أنشودة وطنية قوية.

وأخيرا يقف الزعيم وسط عاصفة من التصفيق، فيشعر الإنسان بلحمة عجيبة ووحدة امتزجت فيها روح الزعيم بروح الجماهير التي اشرأبت منها الأعناق واتجهت العيون، وتعلقت النفوس بالكلمات النورانية، بل بجرس الصوت ونغمته ونبراته، فتنفعل بانفعاله وتغضب لغضبه وتفكر إذا ما أجبرها على التفكير. وكانت خطب الزعماء لا ترمي إلى إنماء الحماس الذي ينطفئ بسرعة، بل كانت دروسا سياسية تزيح اللثام عن الاستعمار ونواياه وطرقه المنعرجة الملتوية وأهدافه البعيدة والقريبة، كما تكشف القناع عن الحقائق التونسية المرة وعن أمراضنا المزمنة وعيوبنا التي ينبغي أن نتخلص منها، ثم تهدي إلى طريق معالجة أنفسنا وسبل النجاة مما نحن فيه وما يتطلبه تحرير الفرد والوطن من نكران الذات ومن تضحيات وصبر وثبات. وأخيرا يشرح لهم الموقف السياسي بتدقيق تام، ويختم الاجتماع بنشيد الحزب الرسمي والناس وقوف، ويختلط بعد ذلك الزعماء بالشعب كأفراد منه؛ لأن التقديس انتزع في تونس من الأشخاص، ولا تقديس إلا للفكرة القومية.

تونس الثائرة · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٣٦