لقد شاهدنا كثيرا من المفكرين السياسيين - وخاصة بفرنسا - يظنون أن الحرية مرتبطة بالمساواة، بل يميلون أحيانا إلى تدعيم المساواة والدفاع عنها أكثر من ميلهم للحرية نفسها، مع أنهما مختلفان في جوهرهما وكنههما؛ إذ نرى في أكثر الديمقراطيات الحرية موفورة إلى درجة، ولكننا لا نشاهد المساواة بين أفراد الشعب في الغالب، يقولون المساواة في الحقوق والواجبات، نعم المساواة أمام القانون العام أمر حتمي لنظام المجتمع سواء في الديمقراطية أو في غيرها؛ إذ يقام كل مجتمع على قداسة القانون سواء أكان موضوعا أم دينيا منزلا، لأن العدل أساس العمران، ومن مصلحة الحاكم مهما يكن نوعه أن يحترم القانون.
والمساواة في الديمقراطية هي أن تكون أصوات جميع المواطنين - أصحاب الحق السياسي - متساوية عند التصويت أو في انتخابات النواب عنهم، نعم هذا الضرب من المساواة موجود في الغالب في البلاد الديمقراطية، ولكن التفاوت بين المواطنين في الثروة والثقافة والمواهب يجعل تلك المساواة نظرية أكثر منها واقعية. فنفوذ الغني وفرض آرائه على الفقير من الأمور الجلية البديهية، وكذلك نفوذ المثقف وأصحاب الجاه.
أي معنى للحرية وأي مجال للمساواة إذا كانت الديمقراطية تقتصر على الميدان السياسي وحده، ولا تشمل الميدان الاجتماعي والاقتصادي؟! فهل حرية الفقير إلا حريته في أن يعيش ويموت في تعاسة؛ فحظه من الحياة الفاقة والمرض والجهل والجوع أحيانا، فهو عبد في الواقع للقمة الخبز له ولعياله، وقد يجدها وقد لا يجدها إذا كان عاطلا والبطالة تهدده يوميا، وأين المساواة في أقطار يسير فيها بعض الأفراد الرأي العام بما لهم من صحافة قوية ومجلات وكتب ومذياعات؛ أي إنهم يفرضون آراءهم فرضا، ثم يسيطرون بأموالهم على مؤسسات الدولة نفسها.
فالحرية السياسية وحدها لا تكفي، بل لا بد من تعزيزها وتدعيمها بتحرير المواطنين من الفقر والفاقة ومن البطالة وما تجره وراءها من ويلات، فينبغي أن يكون لكل مواطن حق في العمل حتى يحافظ على حياته وحياة أسرته، وعلى كرامته البشرية؛ إذ الكرامة والفقر لا يجتمعان.
وإن العدالة الاجتماعية لا تقف عند هذا الحد؛ لأن حياة الفرد والعائلة تهم الشعب كله وتتطلب ضمانات اقتصادية تماشي الضمانات السياسية وتكملها، فالضمانات الاجتماعية ضرورية للديمقراطية الحقيقية؛ فلا تجوع الأسرة إذا مرض ممولها، وتعالج أفرادها للمحافظة على صحة المجموع، فحق العلاج الطبي وحق السكن الصحي، وحق التعليم والتربية، من الحقوق البديهية التي لا نجدها في الغالب عند الديمقراطيات! ولا معنى للديمقراطية بدونها.
ودعامة تلك الحقوق كلها، حق العمال في التكتل وتكوين نقابات تدافع عن مصالحهم، وحق الإضراب كسلاح لحفظ حقوقهم أو للحصول عليها.
أتى الحبيب بورقيبة بفكرة كانت أساسا للعمل، وهي أن الشعب إذا استيقظ ونظم صفوفه هو الذي يخلص نفسه بنفسه من الاستعمار، وهو الذي يدخل على الدولة والمجتمع نظاما يضمن له السيادة والحرية والرفاهية، فينبغي إذن أن يسير الحزب الحر الدستوري على مبدأ اتصال القادة بالشعب اتصالا دائما عميقا قويا، مهما تكن التكاليف، وأن يتحمل في سبيله كل التضحيات، فكان الحزب في العهد الأول من كفاحه (من 1933 إلى 1944) يناضل في جبهتين: يناضل ضد الفرنسيين الذين يقاومونه، تارة بالقوانين الاستثنائية والمحاكم الزجرية، وطورا بالحديد والنار، ويقاوم مقاومة أصعب وأشق الركود والخنوع والعقلية البالية والتفرقة والأوهام المستولية على قسم كبير من الشعب، حتى أيقظ القلوب وأنار العقول وقضى على الخرافات، وحطم التقاليد البالية والعصبية القبلية، والتعصب البغيض، وأحدث ثورة في النفوس عميقة، وإذا بشعب اليوم غير شعب الأمس.