تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عرف شعب تونس مساوئ الحكم الفردي والملكية المطلقة والحكم الأجنبي، ورأى أن الملكية المطلقة لا تقل خطرا عن الاستعمار نفسه، وكثيرا ما تكون مطية له، وبابا يدخل منه ودعامة له يعتمد عليها في استمراره وبقائه، فاتخذ المبدأ الديمقراطي الصحيح كأساس لبناء دولة عصرية سليمة، حكم الشعب بالشعب للشعب، فإرادة الشعب في مجموعه فوق كل إرادة، وهو صاحب الكلمة النهائية في تقرير مصيره واختيار ما يريده من حكم وما يرتضيه من حاكمين، وهو القوة الواعية المحافظة على نظام الحكم، وهو أيضا مصدر السيادة كلها لا يشاركه فيها مشارك، وهو منبع السلطات ومقرها وصاحبها الحقيقي.

والشعب أيضا هو الحاكم وهو المرجع، فيختار من بين أفراده من ينوب عنه في تنفيذ إرادته والتصرف في سلطاته، مع أنهم لا يعملون إلا باسمه، ثم إليه مرجعهم فيحاسبهم ويجدد ثقته فيهم أو يزيلهم عن مناصبهم حسب أنظمة معينة ومواقيت مضبوطة.

والحكم الديمقراطي لا يكون لصالح شخص واحد ولا طبقة واحدة، بل يكون لصالح عموم الشعب وضمان مصالح مجموعه، والسهر على الوطن كله، والاحتفاظ به وبثروته للجيل الحاضر والأجيال المقبلة.

لقد وجهت الانتقادات الكثيرة للحكم الديمقراطي، وأظهر كثير من المفكرين السياسيين ما فيه من عيوب حقيقية من أعظمها صعوبة الاستقرار، ونشر الخطط والبرامج السياسية وفضحها على الملأ وتسليم مقاليد الأمور لأناس ربما لا يحسنون التصرف فيها، وإنما برعوا في الاستحواذ على ثقة الجماهير بذلاقة اللسان والتلاعب بالألفاظ والمهارة في الدعاية. ثم بعد هذا كله كيف يمكن للتاجر والأستاذ والفلاح والطبيب، وغيرهم من أرباب الصناعات والمهن، وإن كانوا بارعين في أشغالهم الخاصة، كيف يمكن لهم أن يكونوا الساسة الحقيقيين والقادة المسيرين للحكم، مع جهلهم للسياسة وأصولها وبعدهم عنها وعن خفاياها وأغوارها وغاياتها، وقلة مرونتهم فيها وتجربتهم لها. إن ألف جاهل لا يكونون عالما، وإنك لا تسلم جسمك المريض إلا لطبيب عارف مجرب، فكيف تسلم قيادة دولة للخباز والبقال والمزارع والمحامي وغيرهم من أبناء الشعب، يختارون النظام اللائق لها، ويسيرون دفتها، ويتحكمون في مصيرها. فعيوب الديمقراطية لا تنكر ولكنها تتضاءل أمام عيوب نظم الحكم الأخرى، وخاصة الحكم الدكتاتوري سواء أكان تحت اسم الملكية المطلقة أم غيره من الأسماء؛ لما فيها من ظلم وتعسف وعدم مسئولية وفقدان للحرية ومغامرات ربما تجر الشعب إلى الهلاك، وضياع المصالح الخاصة والمصلحة العامة نفسها أحيانا، ويمكن الإتيان بعشرات الأمثلة من التاريخ القديم والحديث للدلالة على ذلك. وقد اعتمد الشعب التونسي في اختيار النظام الديمقراطي على تعاليم دينه الحنيف:

وأمرهم شورى بينهم ،

وشاورهم في الأمر ، فتعاليم الإسلام تنافي الاستبداد بأنواعه وتحض على الديمقراطية.

إن شعب تونس أصبح لا يتحمل الملكية المطلقة ولا يرضى بها، ولن يسمح بوجودها، ولكن الملكية الدستورية تجمع بين حسنات الملكية والديمقراطية، فالملك عنصر الدوام والاستقرار في الدولة، والعمدة في المحافظة على مصالحها العليا، وضمان الاستمرار في حياتها السياسية، وهو أيضا عنوان الدولة ورمزها الحي، ورئيسها الدائم وعلامة وحدتها، وممثل سيادتها. والملكية لا تناقض تقاليدنا ولا تخالف روح تاريخنا، بل يتقبلها الشعب برضى من تلقاء نفسه، ويجد العرش كنقطة ارتكاز في المحن والمصائب ومعقل الآمال مدة الكفاح والجهاد، فيلتف حوله لتحقيق وحدته وصيانة كيانه.

وتكون هذه الملكية دستورية؛ أي إن الملك يصبح أكثر رسوخا، وتكون السلطة التنفيذية تحت إشرافه في يد وزارة مسئولة أمام برلمان، فيختار الشعب أفراده كنواب عنه.

والحرية روح ذلك النظام الديمقراطي وأساسه، فإذا كانت الديمقراطية هي حكم الشعب بالشعب وللشعب حقا، فمعنى ذلك أنه يختار ما يريده من نظام وسياسة، ومن قال اختيارا قال أيضا حرية؛ إذ من البديهي أن الاختيار يفرض وجود الحرية، فلا يكون حرا من هو مجبور على قبول نظام معين وسياسة محددة مضبوطة وضعها غيره، ولا يمكن اختيار إلا إذا كانت أمام الشخص أنظمة مختلفة وسياسات متعددة وحلول متنوعة، فيختار إحداها دون غيرها، عن اقتناع فردي ومن تلقاء نفسه من غير أن يكون تحت ضغط خارجي أو تهديد أجنبي عنه، بل حسب إرادته الشخصية، وكما يمليه عليه عقله وإدراكه؛ لأن الاختيار في المجتمع السياسي كاختيار الفرد لأعماله، ولو لم يكن الفرد حرا في اختيار أعماله، ولو فرضت عليه الأعمال فرضا، لما بقي مبرر للجزاء ولا سبب للعقاب. وكذلك في الحياة السياسية لا معنى للديمقراطية إذا لم يكن أفراد الشعب أحرارا في اختيار ما يرونه من حكم. والحرية في حقيقتها وفي الواقع أيضا كل لا يتجزأ، فإما أن تكون وإما ألا تكون، فإذا وقع الاعتداء على فرد أو جماعة من الشعب وسلبت منهم حريتهم من أجل آرائهم أو معتقداتهم، يفتح الباب للاعتداء على حرية جميع الشعب وكبته. وحرية الفرد مرتبطة بحرية المجموع أيضا، فإذا كانت حرية الشخص الواحد مقدسة، فكذلك حرية الجماعات، فللفرد أن يبدي ما يراه من آراء، وله أن يحاول إقناع غيره بها، كتابة وقولا، وتلك هي حرية الفكر، وله أن ينتقد آراء غيره وأن يفندها وأن يتبع بالتحليل والنقد أيضا آراء الحكومة ورجال السياسة وأعمالهم، وله أن يكون مع غيره من المواطنين جماعات للدفاع عن أفكارهم والدعاية لها ، وله أيضا الحرية الكاملة في معتقده من غير أن يكون عرضة للاعتداء من طرف الحكومة أو من طرف جماعات أخرى من الشعب، وتلك هي حرية الأديان. وليس الحرية هي الفوضى بل فيها ضرب من النظام عجيب؛ إذ تنتهي حرية كل فرد عند ابتداء حرية غيره، فمن لا يحترم حرية غيره ليس أهلا للتمتع بحريته؛ ولذا كانت الحرية تتطلب ضربا من الرقي والتربية السياسية والاجتماعية في الشعوب وأفرادها، يجعلها تتسامح ويحتمل بعضهم بعضا، فلا يلجئون للقوة لفرض إرادتهم أو آرائهم أو معتقدهم على غيرهم، حتى يصبح ذلك التسامح جبلة وطبيعة ثانية في كل مواطن، فتقديس حرية الغير إنما هي تقديس لحريتك الشخصية.

تونس الثائرة · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٣٤