تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبينما كانت هذه التطورات السياسية تجري كانت السلطات الفرنسية تعمل على إبادة قسم كبير من الشعب التونسي، باغتيال قادة الحركة الوطنية وتجريد حملات إرهابية ضد سكان مدينة المنستير ومنطقة الساحل (نوفمبر 1953) وإعدام التونسيين من غير محاكمة، واعتداءات جماعية على قبائل مناطق قابس وسيدي بوزيد ومطماطة التي نقلت بأسرها من مواطنها إلى مناطق أخرى وضعت فيها تحت الحراسة المسلحة فهجر كثير من التونسيين مساكنهم في المدن والقرى هروبا من الاعتقال والإبعاد والتعذيب والقتل، ولجئوا إلى المناطق الجبلية حيث انضموا إلى الوطنيين الذين فروا من قبل إلى الجبال على أثر عمليات «الاكتساح» التي أجراها الجيش الفرنسي في جميع أنحاء تونس طوال سنتي 1952 و1953 وشرع المقيم العام «فوازار» في تنفيذ خطة إبادة الوطنيين التونسيين في شهر مايو 1954 إثر عدة حوادث دامية، فانقاد للمستعمرين المتطرفين خوفا على منصبه ولتغطية فشل سياسته التي عارضها الشعب التونسي بالإجماع فاتخذ الإجراءات التالية: (1)

استقدام فرق عسكرية من الجزائر وفرق «الطابور» من مراكش و5 فرق من الحرس الجمهوري من فرنسا وفرقتين من جنود المظلات من السنغال. (2)

إنشاء 48 «فرقة أمن متنقلة» تؤلف كل فرقة منها من حوالي أربعين فردا بين رجال الجندرمة والجيش والمتطوعين وتعطي لهم أسلحة أوتوماتيكية. (3)

إنشاء 3 فرق عسكرية متنقلة وفرقة احتياطية. (4)

وضع أورطة احتياطية تحت تصرف كل حامية. (5)

استدعاء رجال الجندرمة الاحتياطين وبعض رجال الرديف من اختصاصيين وسواقين وعمال ردايو ... إلخ ... (6)

إنشاء «وحدات ترابية» للدفاع عن المزارع الفرنسية ومراكز الاستعمار، وتؤلف من المتطوعين بين فرنسيين وأجانب سواء كانوا خاضعين للواجبات العسكرية أم لا وتمنح لهم الامتيازات المادية التالية: تصرف لهم المرتبات المخصصة لهم حسب رتبهم العسكرية مع علاوات إضافية. (7)

توزيع الأسلحة والقذائف اليدوية على المزارعين الفرنسيين. (8)

إعلان حظر التجول بناء على طلب المراقبين المدنيين الفرنسيين في مناطقهم المختلفة.

وقد تحدث المقيم العام في بيانه عن الفرنسيين، فقال: «إن فرنسا اعتبرتهم دائما من أعز أبنائها وأنهم سيبقون في أراضيهم»، ثم أضاف قائلا: «إن فرنسا باقية وأن الفرنسيين باقون في مراكز عملهم وإذا دعت الحاجة في مراكز القتال.»

وخطب مسيو «فوازار» كذلك في جنازة أحد الفرنسيين فقال: «إني أعلن أمام هذا القبر المفتوح أن ممثل فرنسا يرى من واجبه أن يحذر الذين يعتمدون على حلمنا أنهم مخطئون خطأ فاحشا، فقد سبق لي أن قلت وكررت القول، وها أنا ذا أعيد مرة أخرى أن فرنسا سوف لا تتخلى أبدا عما قامت به في تونس، كما أنها لن تتخلى عن رعاياها وأصدقائها وستدفع في سبيل ذلك الثمن المطلوب، ومعروف إنها تملك إمكانيات مختلفة، فإذا كان صحيحا أنها اليوم تجتاز موقفا حرجا فإنه من الجنون أن يعتقد أحد أنها ستستسلم للضعف وهل اتخذت عندنا القرارات الحاسمة إلا في وسط المحن؟ إن الفرنسيين رجال صراع يعرفون كيف يتقبلون الضربات وهم يعرفون كيف ينجحون في مشاريعهم بصمت وكيف يعدون ضرباتهم بأعصاب هادئة، إني أصرح دون أن تدفعني روح الانتقام الأعمى ودون أن يعتريني شعور بالندم أو الخوف إني أصرح بأن موتانا سينتقم لهم.»

وهذه أول مرة يتحدث فيها ممثل فرنسا علانية عن «الانتقام» لا عن العدالة أو الاقتصاص من المذنبين، كما أنه لم يشر أية إشارة إلى الضحايا العديدة من التونسيين، بل إن هناك على عكس ذلك إشارة واضحة إلى ما تقوم به عصابة «اليد الحمراء» الفرنسية من اغتيال التونسيين «انتقاما للفرنسيين.»

وشرعت كل تلك القوات التي وصلت إلى تونس في مطاردة التونسيين وتقتيلهم والتنكيل بهم، فأصبح هكذا الخطر يهدد شعبا كاملا بالإبادة.

تونس الثائرة · الصفحة ٢٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٢٢٠