تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن تلك التطورات الجوهرية في النضال التونسي يستلزم وضع كتاب مفصل نؤمل كتابته إتماما للفائدة. وقد لخصت في المذكرة التي قدمتها صحبة الأستاذ محمد بدرة إلى دول الكتلة العربية الآسيوية بتاريخ 23 يونيو 1954 وهذا نصها:

لم تغير فرنسا سياستها في تونس، بل غيرت طريقة تنفيذها، فاستبدلت في شهر سبتمبر 1953 المقيم السابق «دي هوتكلوك» بالمسيو «بيير فوازار.» وأراد الوطنيون إظهار حسن نيتهم، فطلبوا من الشعب الذي لبى نداءهم أن يلتزم الهدوء لإعطاء فرصة للمقيم الجديد لاستئناف المفاوضات مع الممثلين الحقيقيين للشعب التونسي بغية الوصول إلى حل مرض للقضية التونسية، ولكن مسيو «فوازار» أصر على التقرب من جلالة الباي ومجاملة البلاط وإلغاء قرار منع التجول ليلا واستعادة الهيئات من أيدي العسكريين إلى أيدي المدنيين الفرنسيين والإفراج عن بعض المعتقلين الذين قضوا حوالي العامين في السجون الفرنسية دون مبرر، وإلغاء الرقابة على الصحف.

وكانت تلك الإجراءات تقتر تقتيرا خلال فترات طالت مدتها في حين أن المحاكم العسكرية كانت توالي في تلك المدة كلها إصدار أقصى أحكامها على مئات الوطنيين التونسيين، وكانت أحكام الإعدام تنفذ فيهم فعلا (وقد نفذت في أحد عشر وطنيا منذ حلول المقيم الجديد بتونس)، وفي الأيام الأولى من تعيين مسيو فوازار اغتالت عصابة فرنسية في 13 / 9 / 1953 المرحوم «الهادي شاكر» أحد زعماء الحركة الوطنية بينما كان محدد الإقامة بمدينة «نابل» وتحت حراسة البوليس الفرنسي، وقد بقي المجرمون الذين اغتالوا الزعيم النقابي «فرحات حشاد»، أحرارا لم يمسهم سوء، ولم يكترث مسيو «فوازار» بهذا الأمر ووجه عنايته إلى الاتصال ببعض الشخصيات سعيا في جلبها وفاجأ الرأي العام التونسي بتأليف وزارة جديدة في 3 مارس 1954 برئاسة السيد محمد صالح مزالي «لتخلف وزارة البكوش التي أجمع الشعب على مقاطعتها» وجميع أعضائها من الإداريين أو من الموالين للإدارة الفرنسية الذين لا يمثلون أي جزء من الرأي العام التونسي، وتم تأليفها بعد مباحثات محدودة بين المقيم الفرنسي وهؤلاء الإداريين، ولم تقع استشارة الشعب ولا الالتفات إلى رأي ممثليه ومنظماته، فأعلن معارضته لهذه الوزارة التي فرضت عليه فرضا بالرغم من موافقة جلالة الباي عليها.

وفوجئ الرأي العام مرة ثانية بعد يومين فقط (أي في 4 مارس 1954) بنشر مراسيم إصلاحات وقعها جلالة الباي في ذلك اليوم، وهي سواء فيما يتعلق بالسلطة التنفيذية أو المجالس النيابية - تدعم وتؤكد بصفة رسمية مبدأ السيادة المزدوجة الذي جاءت به مذكرة الحكومة الفرنسية - 15 ديسمبر 1951 «مصدر الأزمة الحالية» والذي رفضه الشعب التونسي رفضا قاطعا في أي شكل من الأشكال، هذا بالإضافة إلى ما في هذه الإصلاحات من اعتداءات على السيادة التونسية، حيث إنها حافظت على بقاء مناصب الدولة الأساسية من مالية وأشغال وتعليم وبريد وأمن عام وبوليس في أيدي الفرنسيين، كما حافظت على حق الفرنسيين في نصف مقاعد المجالس النيابية، وجعلت سلطة تلك المجالس استشارية محدودة، كما منحت هذه الإصلاحات للفرنسيين المستوطنين بتونس الحق في رئاسة البلديات بالتناوب مع التونسيين والرئاسة الدائمة لبلدية مدينة تونس.

ولم تكن إصلاحات 4 مارس نتيجة لمباحثات جرت من قبل مع الممثلين الحقيقيين لشعب تونس، بل تم إعدادها في مكاتب وزارة الخارجية الفرنسية والإقامة العامة في تونس، ولم يؤخذ في شأنها رأي أي «جزء» من الرأي العام التونسي، أما توقيع جلالة الباي عليها فإنه يظهر إلى أي حد عرفت فرنسا كيف تستغل حادث خلع سلطان مراكش.

ولم يقبل الشعب التونسي الرضوخ للأمر الواقع، بل رفضت المنظمات السياسية والاقتصادية والعمالية التونسية تلك الإصلاحات ووقفت موقف المعارضة من الوزارة التي تحملت مسئولية قبولها، واتخذت الجبهة الوطنية التونسية التي تجمع تلك المنظمات (الحزب الحر الدستوري التونسي والاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة والاتحاد العام للفلاحة التونسية والغرفة التجارية والغرفة الزراعية) قرارا برفضها في 15 أبريل 1954.

تونس الثائرة · الصفحة ٢١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٢١٩